فهرس الكتاب

الصفحة 22 من 63

وأما الدليل من السنة النبوية الشريفة ففيما رواه أبو الأحوص عن أبيه قال: «أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - في ثوب دون فقال: (( ألك مال؟ ) )قال: «نعم قال» , (( من أي المال؟ ) )قال: «قد آتاني الله من الإبل, والغنم, والخيل, والرقيق» قال: (( فإذا آتاك الله مالا فلير أثر نعمة الله عليك وكرامته ) ) [1]

وأما الدليل من الأثر ففيما روي عن يحيى بن سعيد، قال: «سمعت سعيد بن المسيب، يقول: «لا خير فيمن لا يريد جمع المال من حله، يكف به وجهه عن الناس، ويصل به رحمه، ويعطي منه حقه» [2]

ونستخلص مما سبق أن القرآن الكريم حذر من الإغراق في حب المال، وقضاء الحياة في جمعه وتحصيله دون أداء حق الله فيه، وبين عاقبة من كانت هذه حاله، وهذا يعنى إنه لا يرضى بالرهبنة والإعراض عن المال بالكلية, للأدلة السابقة. [3]

وقد بين القرآن الكريم طريق الوسطية في حب المال في قوله تعالى: {وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا} (القصص: من الآية 77) قال الحسن وقتادة: «معناه لا تضيع حظك من دنياك في تمتعك بالحلال وطلبك إياه ونظرك لعاقبة دنياك» . [4]

وقيل معناها: أي استعمل ما وهبك الله من هذا المال الجزيل والنعمة الطائلة في طاعة ربك والتقرب إليه بأنواع القربات التي يحصل لك بها الثواب في الدنيا والآخرة: {وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا} أي مما أباح الله فيها من المآكل والمشارب والملابس والمساكن والمناكح, فإن لربك عليك حقًا ولنفسك عليك حقًا, ولأهلك عليك حقًا, ولزوجك عليك حقًا, فآت كل ذي حق حقه. [5]

فحب المال أمر فطري جبل عليه الإنسان, وإنما الأمر المنهي عنه هو الغلو في حبه وتقديسه، والتوسط في ذلك هو المشروع قال تعالى: الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ

(1) - أخرجه أبو دود في سننه, كتاب اللباس, باب في غسل الثوب وفي الخلقان, رقم (4063) ج2 ص449, وأخرجه النسائي, كتاب الزينة, باب الجلاجل, رقم (5223) ج8 ص 180, وقال الشيخ الألباني: صحيح.

(2) - حلية الأولياء ج 2 ص 173 - إصلاح المال لابن أبي الدنيا ج 1 ص 56 - عدة الصابرين ج 1 ص 221.

(3) - الوسطية في ضوء القرآن الكريم - لناصر بن سليمان العمر - ج 1 ص 303.

(4) - تفسير القرطبي ج 13 ص 278.

(5) - مختصر ابن كثير ج3 ص 26.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت