تترقرق عيناها بالدموع كلما لفحت نيران الذكرى تلك المحنة .. لا تحب دخول دهاليز الماضي خشية الانكسار من جديد .. فقد عانت كثيرًا قبل ان تلملم الجراح وتلتقط أشلاء روحها المتناثرة بعد كسرها .. ولو باختيارها هي!
ابتدات قصتها حين تقدّم لها شاب فاختارته عن قناعة لسبب واحد فقط لا غير: ملتزم!
من بين العشرات الذين تقدّموا وجدت فيه نفحة ايمان تمثّلت - لقصور فهمها يومها - بلحية واتّزان فلم تلتفت لوضعه المادي ولا الثقافي ولا العلمي والفروقات بينهما كثيرة وقالت كلمتها التي اعتادت أن تبثّها بكل جرأة: هذا الذي أريده لأعيش حياة اسلامية معه وأعوّض الماضي!
أما أي ماضي فكانت حديثة عهد بالالتزام وقد ضيّعت سنوات عشرون ربما قبل أن تتعرف على الله جل وعلا .. فأرادت من يعلّمها دينها الذي لم تكن تفقه منه شيئًا إلا ما سمعته هنا وهناك ومن نثار كتب!
وفي أول لقاء بينهما كانت القاعدة التي أرادتها شعارًا للحياة: القرآن والسُنّة! وحين الخلاف نحتكم الى شرع الله جل وعلا. كم كانت بريئة يومها!
بعد العقد ابتدأت الأمور تتضِح أكثر .. أين التزامه الذي أريد؟ اصطدمت بحائط الواقع ولكنها لم تستطع الخروج من المأزق .. اعتمدت على الأمل فخانها!
كانت تحلم بتغيير للأفضل حين يكونان في بيتهما ووعدت نفسها بالمحاولة. فقد خشِيت عليه من صدمة تركها له وهو يحبها كما ادّعى .. أو كما يفهم الحب!
تزوجا .. فعرفت من أول ليلة أن المسير بينهما قليل .. وأنها لا بد مفارقة!
وابتدأت رحلة الجفاف العاطفي من أول الطريق .. وتتالت الصدمات .. فأصبح رفضها بحجم تلك الصدمات المتلاحقة! فانهار كل شيء ولم يبق الا الألم ..
عانَت منه كثيرًا وكانت تفتش عن زاوية واحدة عنده تتكئ عليها فلم تجد .. تحوّل كل حلم الى سراب .. ولم يكن يجمعهما الا ورقة استحلّ أن يكون معها في بيت واحد بعد توقيعها .. ولكنه خرج من قلبها بمجرد أن سكنا معًا هذا البيت الكئيب ..
كانت تستجدي منه كلمات حب .. ولكنه كان عاجزًا عن البوح بمشاعر لم يكن يفقه منها الا أحرف يتناقلها تجار الكلمات في الأفلام: أحبك! كان يقولها بلا روح ولا معنى والهدف: لقاء اكتشفت معه معاني الاغتصاب المرير! فكرهت ذلك الفراش الذي امتص دموعها وآهاتها المخنوقة من الكراهية والقرف!
كل يوم كان يبعده عنه أميال وأميال .. ولا تكاد تدخل في نقاش جاد معه الا تجده أبعد ما يكون عن فهمها فتوقفت عن الكلام .. وانعدم الحوار بينهما .. وأصبحا غريبين في دار واحدة .. وكل يوم كانت تعي مرارة ما تعيشه وتفقد الكثير من مميزاتٍ لفتَت إليها رؤوسًا وقلوبا!
لم تعد تستطيع المتابعة بعد أن استحالت الحياة بينهما فطلبت الطلاق فرفض .. فكيف يتخلى عن"ممتلكاته"؟!
كان عطاؤه لها معدومًا .. وكانت ملتزمة بكل أمور البيت .. كل شيء! وكان هو يعيش بين أشيائه الصغرى عديمة القيمة!
كانت الأيام تمضي بطيئة جدًا .. ولم يعد لأي شيءٍ طعم أو لون .. حتى الصلاة .. حتى القيام .. حتى القرآن الكريم ..
وصلَتْ من اليأس مبلغًا لا يعلمه الا الله .. لم تحاول النهوض لأنها كانت تنتظر شيئًا واحدًا فقط: الموت!
مضت سنوات طوال حسِبَتْها دهورًا .. وابتدأ الانهيار التام يُنذِر بالأفول .. ومرضَتْ مرضًا شديدًا ما استدعى لدخولها المستشفى وقرر الأطباء اجراء عمليات جراحية لها .. وكان الطبيب يردّد لأمها: ما تعاني منه نسبته الكبرى نفسي فالمرض العضوي ليس بجديد وهو مذ وُلِدَت ولكن الآن ظهرت أعراضه لأنها محطّمة!