ويدل عليه أيضا ما ورد في السنن، من حديث عائشة أن النبي -"سئل عن اللحوم التي تؤتى إليهم، ولا يُدرى هل ذكر اسم الله عليها أو لا؟ فقال: اذكروا اسم الله عليها أنتم وكلوا"ولو كان الأصل في اللحوم التحريم؛ لقيل: لا تأكلوا حتى تعلموا قيام سبب الإباحة. إلى غير ذلك من النصوص الدالة على أن الأصل في اللحوم هو الحل والجواز، حتى يأتي دليل يغيره.
وقوله هنا:"الأصل في النفس التحريم". هذا يراد به: أنه لا يجوز سفك الدماء إلا بدليل من الشارع. فالأصل: تحريم الاعتداء على دماء الخلق، حتى يأتي دليل بذلك. ويدل على هذه القاعدة: نصوص شرعية كثيرة، منها قوله جل وعلا: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (29) } [1] ومنها قوله سبحانه: {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ} [2] وقوله: {وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ} [3] .
وقول النبي -"لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة"وقول النبي - في المُعاهِد من الذميين:"من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة"فهذا هو الأصل والقاعدة المستمرة تحريم الدماء.
إلا ما جاء دليل بجواز سفك الدم فيه، وذلك في غير المعصوم مثل: الساحر بالنسبة للإمام؛ لقول النبي -"حد الساحر ضربة بالسيف"كما في السنن. ومثل المرتد، ومثل المحارب من غير المسلمين؛ لقوله سبحانه: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} [4] .
وقول المؤلف هنا:"الأصل في الأموال التحريم"هذه أيضا قاعدة مستمرة في الشريعة، ويدل عليها: عدد من النصوص، منها قوله سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَاكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} [5] وقوله سبحانه: {وَلَا تَعْتَدُوا إِن اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (190) } [6] وقوله - عز وجل - {وَلَا تَاكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَاكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (188) } [7] .
وقول النبي -"إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام"وقول النبي -"لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه"إلى غير ذلك من النصوص.
وقول المؤلف هنا:"إلا للمعصوم"يراد به: المحارِب، فإنه يجوز الاستيلاء على أموالهم، إذا قامت الحرب بين المسلمين وغيرهم. ويدل على ذلك: عدد من النصوص، منها قول الله - عز وجل - {وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا} [8] وقوله - عز وجل - {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ} [9] وقوله سبحانه: {* وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ} [10] الآية، وقول النبي -"من قتل قتيلا فله سلبه"وكان النبي - يغزو المشركين، ويأخذ أموالهم.
والأوْلى عدم ذكر الاستثناء في القاعدة فيقال: الأصل في الأموال التحريم. ولا يذكر المعصوم؛ لأن المراد هنا: تقرير القاعدة، والأصل العام. وأما المستثنيات فلا تؤخذ من صلب القاعدة، ويدل على ذلك: أن التصرف في الأموال يجوز في بعض الحالات الأخرى، مثل التصرف بحق، مثل: أخذ البنيان الذي يحتاج إليه الناس في طرقاتهم، ومثل: المال المؤذي الذي يؤذي الناس مثل الجمل الهائج.
فهذه تصرفات بحق، ومع ذلك لم يذكر المؤلف هذا القيد. فلو لم يذكر القيد الأول، لكان أضبط على منهج الأصوليين، في ذكر القاعدة بدون ذكر مستثنياتها.
(1) - سورة النساء آية: 29.
(2) - سورة الأنعام آية: 151.
(3) - سورة الفرقان آية: 68.
(4) - سورة التوبة آية: 5.
(5) - سورة النساء آية: 29.
(6) - سورة البقرة آية: 190.
(7) - سورة البقرة آية: 188.
(8) - سورة الأحزاب آية: 27.
(9) - سورة الأنفال آية: 1.
(10) - سورة الأنفال آية: 41.