فهرس الكتاب

الصفحة 52 من 130

والإنسان يجد التفاوت بين هذه المراتب وإن لم يستطع أن يتلفظ بهذه المراتب، كما أن الري والشبع لها مراتب وإن كان الإنسان لا يستطيع التعبير والتلفظ بمراتب ذلك. نعم.

وضدُّه تزاحمُ المفاسدِ ... فارْتَكِب الأدنى من المفاسد

وضد القاعدة السابقة تزاحم المفاسد بحيث لا يتمكن المرء من ترك المفسدتين معا، وإنما يتمكن من ترك أحدهما بشرط ارتكاب الأخرى، فحينئذ يرتكب المفسدة الأقل من أجل درء المفسدة الأعلى، وهذه القاعدة لها أدلة في الشريعة، من أدلتها قوله -جل وعلا-: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ} [1] .

وهنا تعارضت مفسدتان: المفسدة الأولى: مفسدة النفس، والمفسدة الثانية: الأكل من الميتة، فتُجُنِّبَت المفسدة الأشد، ولو كان في ذلك ارتكاب المفسدة الأقل بأكل الميتة.

وكما سبق أن المفاسد منها ما هو محرم، ومنها ما هو مكروه، ومنها ما هو كبائر، ومنها ما هو صغائر، فنجتنب الصغيرة ولو فعلنا المكروه، ونجتنب الكبيرة ولو كان في ذلك فعل الصغيرة إذا لم يمكن ترك الجميع.

وكذلك من المفاسد ما يتعلق بالغير ومنها ما هو قاصر على النفس، فالمفسدة القاصرة على النفس نرتكبها إذا لم نتمكن من درء المفسدة المتعلقة بالغير إلا بارتكاب المفسدة الأولى، مثال ذلك: إذا كان الإنسان مضطرا للأكل ولم يجد إلا ميتة أو طعاما لمن كان في مثل حالته فحينئذ إن أكل من الطعام

(1) - سورة البقرة آية: 173.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت