فقتل، فلا تأكل فإنك لا تدري أيَّهما قتل"ويستدلون على ذلك: بأنه إذا اجتمع في نوع اللحم سبب مُبيح وسبب حاظر، غلب جانب الحظر. كما في البغل، وكما في الطير إذا صيد بالسهم، فوقع في الماء. وقد ورد في ذلك حديث في النسائي."
ولعل هذه الأدلة ليست في مسألة الأصل؛ لأن هذه الأدلة لما اجتمع فيه سببان: سبب تحريم، وسبب إباحة. كلب صيد وكلب أجنبي، سهم وغرق. ومسائل الأصل -كما تقررت سابقا- يراد بها: المسائل التي ليس فيها دليل. لا دليل إباحة، ولا دليل تحريم؛ ولذلك فإن الأظهر أن الأصل في اللحوم هو الحل، وليس التحريم.
كما قلنا في المياه: الأصل فيها الطهارة، ولو اجتمع سبب طهارة، وسبب نجاسة في الماء، حرم. ولا يدل ذلك على: أن الأصل في المياه هو النجاسة.
ويدل على: أن الأصل في اللحوم هو الجواز والحل، قوله سبحانه: {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً} [1] الآية، فإنه دل على: أن الأصل هو الحل والجواز، وأن التحريم مستثنى. ويدل على ذلك: قوله جل وعلا: {وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَاكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} [2] فدل أن الأصل هو الحل والجواز في اللحوم المأكولة، وأن التحريم مستثنى.
ويدل عليه أيضا: قوله جل وعلا: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ} [3] فحصر المحرمات بأداة الاستثناء"إنما"وقوله جل وعلا: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ} [4] الآية، فدل ذلك على أن الأصل في اللحوم هو الإباحة.
(1) - سورة الأنعام آية: 145.
(2) - سورة الأنعام آية: 119.
(3) - سورة البقرة آية: 173.
(4) - سورة المائدة آية: 3.