وأيضًا فالوقائع المتجددة لا توفي بها النصوص، وما كان منها غير ظاهر في المنصوص فيحمل على منصوص لمشابهة بينهما، وهذه كلها إشارات للخلاف ضرورية الوقوع، ومن هنا وقع الخلاف بين السلف والأيمة من بعدهم )) [1] كما يقول ابن خلدون.
وقال الزركشي: (( إن الله لم ينصب على جميع الأحكام الشرعية أدلة قاطعة بل جعلها ظنية قصدًا للتوسع على المكلفين، لئلا ينحصروا في مذهب واحد، لقيام الدليل القاطع عليه ) ) [2]
وقد نوه كثير من الأعلام بهذا الاختلاف الفقهي الذي وجد فيه المقلدون رحمة خرجت بهم من حرج الانحصار في مذهب واحد، ومن هؤلاء الأعلام الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز الذي يقول: (( ما أحب أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يختلفوا، لأنه لو كان قولًا واحدًا لكان الناس في ضيق، وانهم أئمة يقتدى بهم، فلو أخذ أحد بقول رجل منهم كان في سعة ) ) [3] .
وقد ميز أبو بكر بن العربي الإشبيلي (ت 543 هـ) بين اختلافهم المشروع وبين التفرق المنهي عنه بقوله: (( إن التفرق المنهي عنه إنما هو المؤدي إلى الفتنة والتعصب وتشتيت الجماعة، فأما الاختلاف في الفروع فهو من محاسن الشريعة ) ) [4] واستشهد على ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم: (( إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر ) ) [5] .
وقال ابن العربي: (( ليمض كل أحد على اجتهاده، فإن الكل بحبل الله معتصم، وبدليه عامل ) ). [6]
وقد ازدهر الاجتهاد المطلق على أيدي الأئمة مؤسسي المذاهب، كما ازدهر الاجتهاد المقيد على أيدي المنتسبين لهم الملتزمين بأصولهم، ومن الأصول ما تشترك فيه المذاهب ومنها ما يختص به البعض.
وكان شعار الجميع العزوف عن التخطئة في الفروع عند الاختلاف.
وكانت ثمرة هذا الازدهار الاجتهادي تعدد المذاهب التشريعية وتشجيع مجتهدي كل مذهب على التفريع والتهذيب والاستدلال، ونشاط حركة التدوين للمصنفات الفقهية التي أصبحت غنية بالأحكام مرجعًا للمدرسين والمفتين والقضاة.
وكان للمذهب المالكي حظه من الإزهار والانتشار، وكان له أعلامه الذين تفانوا في خدمته تاصيلًا وتفريعًا، واستدلالًا واستنباطًا وتخريجًا، مما جعل إسهامه في حركة التشريع والتقنين ذا قيمة.
(1) المصدر نفسه: 445 - 446.
(2) نقلًا عن إرشاد الفحول: 273.
(3) الموافقات، للشاطبي: 4/ 125 - ط المكتبة التجارية الكبرى، مصر
(4) أحكام القرآن: 183
(5) أخرجه البخاري ومسلم، من حديث عمرو بن العاص وأبي هريرة، والدار قطني من حديث عقبة بن عامر وعبد الله بن عمرو. انظر (تلخيص الحبير: 4/ 180) .
(6) أحكام القرآن: 291.