المطلب الأول: نبذة عن الاجتهاد الفقهي وثمرته:
إن ديننا الإسلامي دين الهداية إلى طريق الخير والفلاح، جاء لإصلاح الفرد وإصلاح مجتمعه، ولإسعاد الناس في حياتهم الدنيا وفي آخرتهم، فهو دين الحق والعدل يرشد إلى العقيدة الصحيحة وإلى الشريعة السمحة الحارسة للحقوق والمنظمة لعلاقة المسلم بريه، وعلاقته بأسرته وبسائر أعضاء مجتمعه، وعلاقته بحكومته وحتى لعلاقة أمته الإسلامية بالفرق والنحل الأخرى.
وتشمل نصوص الوحي الإلهي على الكثير من الاحكام الشرعية التي يطالب المسلم بتطبيقها إرضاء لخالقه {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [1]
ولما كان الإسلام دينا خالدًا، وفي الواقع تجديد وتطور ونوازل متنوعة ووقائع مستجدة، فقد فتح باب الاجتهاد أمام الفقهاء الذين تتوفر فيهم شرائطه، باعتبارهم من أهل الذكر، ليستنبطوا الأحكام من أدلتها التفصيلية ومن مصادر الشريعة المعتبرة، وقواعد الكلية حتى يكون لكل حادثة جزئية حكم، ولا يوكل المكلفون للهوى والتشهي.
فرض الاجتهاد على الأمة فرضًا كفائيًا، وأوجب أن تنفر إلى مجاله طائفة تجتهد وتفتي وتتفقه في الدين وتعلم أحكام الشريعة قال تعالى: {فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [2]
وقد آتى الاجتهاد الشرعي ثماره الطيبة منذ العهد النبوي، فنبغ مجتهدون من الصحابة ثم من التابعين المنتشرين في الأمطار، وتضافرت جهود الفقهاء والمحدثين لتغذية الصحابة الحركة الاجتهادية، وكذلك علماء أصول الفقه ومفسري آيات الأحكام عبر العصور وكان من حوافز الاجتهاد ظهور المستجدات، ومواجهة الأعراف في البلاد الفتوحة.
وتأسست المذاهب التشريعية، فكان لها أصولها التي بنت عليها مذاهبها، وضوابطها في استنباط الأحكام.
وتعايشت المذاهب، ولقي بعضها مناصرة أتباعه الذين عملوا على دعمه ونشره، وانقرضت مذاهب أخرى لم يقم أتباعها بالمناصرة المستمرة وآل الأمر إلى انحصار التقليد في المذاهب الأربعة في عصر ابن خلدون (ت 808 هـ) الذي يقول: (( وقف التقليد في الأمصار عند هؤلاء الأربعة، ودرس المقلدون لمن سواهم، وسد الناس باب الخلاف وطرقه، لما كثر تشعيب الاصطلاحات في العلوم، ولما عاق عن الوصول إلى رتبة الاجتهاد، وما خشي من إسناد ذلك إلى غير أهله، ومن لا يوثق برأيه ولا بدينه، فصرحوا بالعجز والإعواز، وردوا الناس إلى تقليد هؤلاء، كل بمن اختص به من المقلدين ) ) [3] .
ثم إن الأدلة الشرعية التي هي مصادر الأحكام الفقهية خولت اختلاف المجتهدين في الكثير من المسائل، بل حتمته، فـ (( لابد من وقوعه ضرورة أن الأدلة غالبها من النصوص، وهي بلغة العرب، وأيضًا فالسنة مختلفة الطرق في الثبوت، وتتعرض في الأكثر أحكامها، فتحتاج إلى الترجيح وهو مختلف أيضًا فالأدلة من غير النصوص مختلف فيها،
(1) آل عمران: 85
(2) التوبة: 122
(3) مقدمة ابن خلدون: 448 ط دار الفكر.