مصر، ومن أبي بكر محمد الأبهري البغدادي (ت 375 هـ) [1] ، ويجيز بدوره أبا عبد الله محمد بن مجاهد نزيل بغداد وأصحابه بعد أن استجازوه بعض مصنفاته [2] .
وفي فهرست ابن الإشبيلي ذِكْرٌ لطائفة من كتب المدرسة الإفريقية، أجيز بها بعض الأندلسيين، ووصلتْهم بإسنادها إلى مؤلفيها من أعلام هذه المدرسة [3] .
وذلك يدلّ على مدى الحرص على مواكبة حركة التصنيف والتدوين وعلى الاستفادة من نتاج كبار العلماء، وهذا ما يزيد سوق الكتب نفاقًا ورواجًا، ومما يؤكد أن الحواجز لم تقم إزاء انتقال الكتاب الفقهيّ من مركز إلى آخر وأحكام الفقه إذ ذاك لها السيادة في المجتمعات الإسلامية التي تشتد حاجة أهلها لمعرفتها وتطبيقها في كل مجالات حياتهم.
وما سنذكر من نماذج لتبادل الكتب الفقهية، يعطى صورة تمثل القليل من الكثير المعهود:
-وصل كتاب أسد بن الفرات المعروف بـ (( الأسدية ) )العراق، فقرأها الأبهري خمسًا وسبعين مرة [5] .
ومن العراق وصل إلى القيروان كتاب (( المبسوط ) )للقاضي إسماعيل بن إسحاق، فكان ابن أبي زيد ينقل منه في كتابه (( النوادر والزيادات ) ) [6] .
ومن المركز المصري إلى القيروان كتاب محمد بن المواز (( الموّازيّة ) )فكان أبو الحسن القابسي يرجحه على سائر الأمهات [7] .
أما رسالة ابن أبيّ فقد عرفت رواجًا وانتشارًا في سائر المراكز لا نظير له، بدأ انتشارها منذ انتهاء مالك الصغير من تأليفها؛ حيث كتب منها نسختين، بعث إحداهما إلى أبي بكر الأبهري إمام المالكية بالعراق، فأظهر الفرح بها، وأشاع خبرها بين الناس، وأثني عليها وعلى مؤلّفها، وبعث الثانية إلى قاضي الجماعة بالأندلس أبى بكر بن زرب [8] .
(1) شجرة النور: 96
(2) ترتيب المدارك: 6/ 198، وانظر: مدرسة الحديث: 1/ 431.
(3) انظر مثلا: في فهرس ابن خير: 240 - 241، 246 - 247.
(4) من ذلك مثلا رسالة: ابن مجاهد لابن أبي زيد يطلب بعض مؤلفاته ورسالة ابن أبي زيد الرد - وهما ضمن مجموعة رسائل لابن أبي زيد أقوم بتحقيقها.
(5) المدارك: 186/ 6.
(6) دراسات في مصادر الفقه المالكي لمكلوش موراني: 191 - 192.
(7) المدارك: 169/ 4.
(8) انظر: معالم الإيمان: 112/ 3. ابن زرب هو محمد بن بقي القرطبي قاضي الجماعة بها، كان إمامًا حافظًا مفتيًا، ولي القضاء 367، توفي وهو يتولاه سنة 381 هـ (الشجرة: 1/ 100) .