فهرس الكتاب

الصفحة 11 من 49

وبهذا يكون الإمام مالك مسهمًا في وضع المنهج العلمي لنقد الرجال وتمحيص الرواة.

وقد آتت جهود مالك في الطلب أطيب ثمارها، فبلغ أسمى المراتب العلمية، وتكونت لديه ملكة الاجتهاد، وحصل ثقافته الشرعية، وجمع أوفر نصيب من صحيح الأحاديث والآثار، واطلع على عمل أهل المدينة، وروى عنه تلاميذه (( موطأه ) )وأخذوا عنه الأسمعة، وأعلن كثير من أعلام عصره شهادات فخز وتنويه به [1] ، مثل ابن هرمز الذي قال عنه: (إنه أعلم الناس) وسفيان بن عينية الذي قال: (مالك إمام، مالك عالم أهل الحجاز) . حجة زمانه، وأبو حنيفة القائل: (( ما رأيت أعلم بسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- منه ) )، والشافعي القائل: (( ما أحد أمن علي من مالك، جعلت مالكًا حجة بيني وبين الله، وإذا ذكر العلم فمالك النجم ) ).

وقال ابن عبد البر: (( الأخبار في إمامة مالك وحفظه وورعه وتثبته أكثر من أن تحصى، وقد ألف الناس في فضائله كتبًا كثيرة ) ). [2]

وقال البرهان بن فرحون: (( قد اعترف له بالإمامة يحيى بن سعيد شيخه، والأوزاعي، والليث، وابن المبارك، جماعة من هذا النمط، ومن بعدهم كالبخاري، وابن عبد الحكم، وأبي زرعة الرازي، ومن لا يعد كثرة ) ).

وبعد الاعتراف له بالإمامة انتصب للإفتاء وللتدريس بالحرم المدنيّ، فأدى رسالة العلم وبلغ أمانته، وكان يقول: (( ما جلست حتى شهد لي سبعون شيخًا من أهل العلم أني موضع لذلك ) ) [3] . ويؤثر عنه قوله: (( لا خير فيمن يرى نفسه في حال لا يراه الناس فيها أهلًا ) ).

وكان زحام الطلبة والمستفتين يشتد على بابه، خاصة أيام المواسم، ومنهم الوافدون من الأصقاع الإسلامية النائبة، ومنهم ذوو السلطان [4]

وكانت له آداب في مجلس العلم يحرص عليها ويحمل طلبته على التحلي بها، تدل على مدى تقديره للحديث وعلوم الشريعة ومدى جدّه في تدريسها وتبليغها، وهو يقول: (( حق على من طلب العلم أن يكون فيه وقار وسكينة وخشية، وأن يكون متبعًا لآثار من مضى، وينبغي لأهل العلم أن يخلوا أنفسهم من المزاح، وبخاصة إذا ذكروا العلم ) ). ويقول: (( من آداب العالم أن لا يضحك إلا مبتسمًا ) ) [5] .

ومن آدابه في الفتوى عدم التسرع وشدة الاحتياط والتثبت، وقد يسهر عامّة ليله متاملًا في مسألة، وكان يوصي المفتين بقوله: (( من أحب أن يجيب على مسألة فليعرض نفسه على الجنة والنار، وكيف يكون خلاصه في الآخرة، ثم يجيب ) ) [6] .

(1) انظر: انتصار الفقير السالك: 139 - 140

(2) التمهيد: 1/ 74 - 75 ط الأوقاف بالمغرب.

(3) نقلًا عن كتاب: مالك لأبي زهرة: 38

(4) انظر شرح الزرقاني على الموطأ: 1/ 302، انتصار الفقير السالك، للراعي: 193.

(5) نقلًا عن كتاب: مالك لأبي زهرة: 50

(6) الديباج المذهب: 23

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت