الصفحة 2 من 19

التربية والتجديد

وتنمية الفاعلية عند المسلم المعاصر

يكاد يجمع المختصون بعلوم التربية والاجتماع الإنساني على أنّ عجز الأمم عن استثمار مواردها البشريّة، ومقدّراتها الماليّة إنّما يكمن في القصور الكائن في أجهزة التّفكير والإرادة التي تتجسد في ثقافة الأفراد وعلاقة الجماعات المكونة للأمّة نفسها. وهو مؤشر لوجود العطل في نظم التربية التي تمدّ إنسان الأمّة بالقيم والاتجاهات، وتزوّده بالمعلومات والخبرات وتنمي فيه القدرات والمهارات.

والسبب أن حلقات السلوك الإنساني- ومنه الحضاري- تبدأ بالنّفوس: أي بحلقة الفكرة، ثم حلقة الإرادة، ثم تبرز منها الحلقة الثالثة حلقة الممارسة والإنجاز المحسوس. فإذا أصاب العطب الحلقة الأولى امتدت آثار الخلل إلى الحلقتين التاليتين، وأفرزت مضاعفاتها في البطالة والعطالة والعجز والتخلّف؛ لذلك كان دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: (اللهم إنّي أعوذ بك من علم لا ينفع)

والأمم الواعية حين تحسّ بأزمة معينة أو نقص في الفاعليّة والإنجاز، فإن أوّل شيء تفعله هو قيام الخبراء فيها بتشخيص القيم الثقافيّة السائدة والنّظام التّربوي القائم. وهذا ما فعلته بريطانيا حين رأت التفوق الألماني خلال الحرب العالميّة الثانية. ففي الوقت الذي كانت أنظمتها الدفاعيّة تتصدى للغارات الألمانيّة في أجوائها وبحارها، كان المربون البريطانيّون يجتمعون ويشخّصون النّظام التّربوي والثقافة الاجتماعيّة في مخابئها وملاجئها.

ومثله ما فعلته الولايات المتحدة الأمريكيّة حين رأت الاتحاد السوفيتي يسبقها في النزول على سطح القمر، وهو ما تفعله في الوقت الحاضر وهي ترى التفوق الياباني في الميادين الصناعيّة والتجارة العالميّة.

ويذكر - ياسوماسا تومودا- الأستاذ في جامعة أوساكا اليابانيّة أنّ أوّل ما فعلته اليابان إثر هزيمتها في الحرب العالمية الثانية هو مراجعة القيم التقليديّة التي كانت تؤكد على الطاعة العموديّة في المجتمع: أي طاعة الصغار للكبار، وطاعة الأتباع للقادة؛ الأمر الذي أدّى إلى مراجعة نظام التربية اليابانيّة، خاصة التربية الأخلاقيّة السياسيّة - شوشين Shushin- وإعطاء العناية اللازمة لقيم الديمقراطيّة والحريّة وعلاقة الحاكم بالمحكوم،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت