التالية:
1 -أن الخوض فيه ربما أدى إلى انتقاص بعضهم بقصد أو دون قصد.
ولهذا لما سئل الإمام أحمد بن حنبل عن حديث:"ويح عمار تقتله الفئة الباغية، يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار" [1] ؟
قال: فيه غير حديث صحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكره أن يتكلم في هذا بأكثر من هذا" [2] .وكأنه خشي أن يؤدي ذلك إلى انتقاص معاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص والطعن فيهما بحمل الحديث على أهل الشام بإطلاق."
وإذا كان سلمان رضي الله عنه نهى حذيفة أن يحدث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بما سمعه يقول عن بعض أصحابه في حال رضاه أو غضبه لما يترتب عليه من مفاسد فكيف بالكلام فيما شجر بينهم أنفسهم، وكثير منه لا يثبت أصلًا؟
فقد ورد أنه:"كان حذيفة بالمدائن فكان يذكر أشياء قالها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأناس من أصحابه في الغضب، فينطلق ناس ممن سمع ذلك من حذيفة، فيأتون سلمان فيذكرون له قول حذيفة، فيقول سلمان: حذيفة أعلم بما يقول."
فيرجعون إلى حذيفة فيقولون له: قد ذكرنا قولك لسلمان فما صدقك ولا كذبك.
فأتى حذيفة سلمان وهو في مبقلة فقال: يا سلمان، ما يمنعك أن تصدقني بما سمعت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟
فقال سلمان: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يغضب فيقول: في الغضب لناس من أصحابه، ويرضى فيقول: في الرضا لناس من أصحابه، أما تنتهي حتى تورث رجالًا حب رجال، ورجالًا بغض رجال، وحتى توقع اختلافًا وفرقة، ولقد علمت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خطب فقال:
أيما رجل من أمتي سببته سبة أو لعنته لعنة في غضبي فإنما أنا من ولد آدم أغضب كما يغضبون، وإنما بعثني رحمة للعالمين فاجعلها عليهم صلاة يوم القيامة.
والله لتنتهين أو لأكتبن إلى عمر" [3] ."
وقد وقع ما خشيه كثير من علماء السلف في الشيعة الذين امتلأت نفوسهم حنقًا وبغضًا لكثير من الصحابة كما قال الأعمش [4] عن أهل بلده (شيعة الكوفة) :"حدثناهم بغضب أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - فاتخذوه دينًا" [5] .
(1) خرجه البخاري في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، كتاب: الصلاة، باب: التعاون في بناء المسجد برقم (436) .
(2) تاريخ مدينة دمشق (43/ 436) ، سير أعلام النبلاء (1/ 421) .ذ
(3) خرجه أبو داود في سننه، كتاب: السنة، باب: في النهي عن سب أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - برقم (4659) . وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود.
(4) سليمان بن مهران الأسدي الكاهلي مولاهم: أبو محمد الكوفي المعروف بـ (الأعمش) ، مقرئ أهل الكوفة وعابدهم، وأحد حفاظ الحديث المتقنين الثقات إلا أنه يدلس، وعداده في صغار التابعين، توفي سنة 148هـ. وحديثه مخرج في الكتب الستة. انظر: الطبقات الكبرى (6/ 342) ، تاريخ بغداد (9/ 3) ، تهذيب الكمال (12/ 76) ، ميزان الاعتدال (3/ 315) .
(5) المعرفة والتاريخ (3/ 85) ، تاريخ مدينة دمشق (32/ 93) ، سير أعلام النبلاء (2/ 394) .