…ومن ذلك ما ورد عن عبد الله بن مسعود _ رضي الله عنه _ أنه قال: (( إن بني إسرائيل لما طال عليهم الأمد فقست قلوبهم، اخترعوا كتابًا من عند أنفسهم، استهوته قلوبهم واستحلته ألسنتهم وكان الحق يحول بينهم وبين كثير من شهواتهم، حتى نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون فقال(1) : اعرضوا هذا الكتاب على بني إسرائيل، فإن تابعوكم عليه فاتركوهم وإن خالفوكم فاقتلوهم، قال: لا بل ابعثوا إلى فلان رجل من علمائهم فإن تابعكم لم يختلف عليكم أحد وإن خالفكم فاقتلوه، فلن يختلف عليكم أحد بعده فأرسَلوا إليه، فأخذ ورقة فكتب فيها كتاب الله، ثم أدخلها في قرن، ثم علقها في عنقه، ثم لبس عليها الثياب، ثم أتاهم فعرضوا عليه الكتاب، فقالوا: أتؤمن بهذا ؟ فأشار إلى صدره يعني الكتاب الذي في القرن، فقال: آمنت بهذا وما لي لا أومن بهذا، فخلوا سبيله، قال: وكان له أصحاب يغشَوْنه، فلما حضرته الوفاة أتوه فلما نزعوا ثيابه: وجدوا القرن في جوفه الكتاب فقالوا: ألا ترون إلى قوله: آمنت بهذا وما لي لا أومن بهذا فإنما عنى بهذا هذا الكتاب الذي في القرن، قال: فاختلفت بنو إسرائيل على بضع وسبعين فرقة خير مِللهم أصحاب ذي القرن )) (2) ، وإن كان هذا الموقف مما قد يكون من الإسرائيليات، ولكن الذي يهمنا أن الصحابي أورده مورد الذم للتشبه بهم والوقوع فيما وقعوا فيه، فقد ساقه من باب التحذير، فنعلم أن موقفه هو وجوب المخالفة للكفار، فهذا تحذير منه _ رضي الله عنه _ من أن نسلك ما سلكه كفار بني إسرائيل من اتباع الشهوات وقسوة القلب بعد طول الأمد.
(1) - وفي تفسير القرطبي: ثم قالوا، بدل (فقال) ، 17/250
(2) - أخرجه البيهقي في شعب الإيمان: 6 / 95 برقم: (7589) .