…ومن ذلك ما ورد في صحيح مسلم أن أبا موسى الأشعري _ رضي الله عنه _ بعث إلى قراء أهل البصرة، فدخل عليه ثلاثمائة رجل قد قرؤوا القرآن، فقال: (( أنتم خيار أهل البصرة وقراؤهم، فاتلوه ولا يطولن عليكم الأمد فتقسو قلوبكم كما قست قلوب من كان قبلكم... ) )إلى نهاية الأثر (1) ، فهنا نجد الصحابي _ رضي الله عنه _ أراد أن يعظ هؤلاء القراء، فخوفهم من قسوة القلوب التي وقع فيها الذين من قبلنا من الأمم، وهذا يدل على أن ترك ما كان عليه الكفار: من المسلَّمات عند أبي موسى _ رضي الله عنه _ وعند من سمعه من هؤلاء الفقهاء، فكان بإمكانه _ رضي الله عنه _ أن يكتفي بالتحذير من قسوة القلب، ولكنه حذر من شيء آخر في هذه المعصية، ألا وهو التشبه بالكفار، فإن من قسى قلبه تشبه بأهل الكتاب الذين قست قلوبهم.
…ومن ذلك ما ورد عن معاوية _ رضي الله عنه _ قال: (( إن تسوية القبور من السنة(2) وقد رفعت اليهود والنصارى فلا تشبهوا بهما )) (3) ، فحذر _ رضي الله عنه _ من مخالفة السنة، ومع ذلك فقد زاد في التنفير من رفع القبور بذكر محذور آخر يعتبر _ كذلك _ منفرًا من رفع القبور عن الأرض، ألا وهو التشبه باليهود والنصارى. وقد حذر من التشبه بهم قبل أن يقع من المسلمين، مما يُظهر خوف الصحابة _ رضي الله عنهم _ على الأمة من الوقوع في التشبه؛ فإنهم لم يكتفوا بالنهي عنه حال وقوعه، بل حذروا منه قبل أن يقع.
(1) أخرجه مسلم في صحيحه: 2/726 برقم: (1050) .
(2) قال شيخ الإسلام:"يشير معاوية إلى ما رواه مسلم في صحيحه عن فضالة بن عبيد أنه أمر بقبر فسوي، ثم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بتسويتها، رواه مسلم"، اقتضاء الصراط المستقيم: 1/132 وانظر: صحيح مسلم: 2/666، برقم: (968) .
(3) - المعجم الكبير: 19/352، برقم: (823) .