…ولم يقتصر نهيه صلى الله عليه وسلم عن التشبه بالكفار في جانب العبادات فحسب، بل جاء الأمر بالمخالفة حتى في جانب العادات (1) ؛ لتكون المفارقة للكفار من سمات دينه صلى الله عليه وسلم، من ذلك على سبيل المثال ما يتعلق بحل الطعام أو حرمته، فعن قبيصة بن هلب (2) عن أبيه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن طعام النصارى فقال: (( لا يتخلجن(3) في صدرك طعام ضارعت (4) فيه النصرانية )) (5) ، وفي رواية: (( شيء ضارعت فيه النصرانية ) ) (6) فإن من بدع النصارى: أنهم لا يأكلون
(1) فتأمل كيف دخلت مخالفة الكفار في كل شأن من الأوامر النبوية وكأن المخالفة مزجت بالشرع القويم في إناء طيب المزاج ليشربه المؤمن العامل هنيئًا مريئًا، فيتشرب الدين الخالص كما أنزل، ليجد المخالفة للكفار في كل شرائع وآداب وعقائد هذا الدين المتين.
(2) - هو: قبيصة بن هلب الطائي، كوفي، واسم هلب يزيد بن قنافة روى عن أبيه، وأبوه من الصحابة، روى عنه سماك بن حرب، انظر: الاستيعاب في معرفة الأصحاب، لابن عبد البر: 4/1549، وانظر: الجرح والتعديل لابن أبي حاتم: 7/125، معرفة الثقات: 2/214، المنفردات والوحدان، ص: (142) .
(3) - قال التوربشتي: يروى بالحاء المهملة وبالخاء المعجمة فمعناه بالمهملة: لا يدخلن قلبك منه شيء فإنه مباح نظيف وبالمعجمة: لا يتحركن الشك في قلبك انتهى. انظر: تحفة الأحوذي 5/153
(4) - ضارعت فيه النصرانية أي شابهت لأجله أهل الملة النصرانية من حيث امتناعهم إذا وقع في قلب أحدهم إنه حرام أو مكروه، والمعنى لا تتحرج فإنك إن فعلت ذلك ضارعت فيه النصرانية فإنه من دأب النصارى. انظر: تحفة الأحوذي 5/153
(5) - رواه الترمذي في سننه 4/133 برقم: (1565) ، وأحمد في مسنده: 5/226 برقم: (22016) ، (2201) ، وابن ماجه في سننه: 2/944 برقم: (2830) ، والبيهقي في سننه 7/279 برقم: (4399) ، (4400) وصححه الألباني: صحيح سنن الترمذي 2/193.
(6) - نفس المصادر السابقة.