…ومن ذلك أيضًا ما ورد عن عمر رضي الله عنه أنه قال:"إن المشركين كانوا لا يفيضون (1) حتى تطلع الشمس ويقولون: أَشرِقْ ثبير (2) كيما نغير (3) وأن النبي صلى الله عليه وسلم خالفهم ثم أفاض قبل أن تطلع الشمس" (4) ، وهنا خالفهم النبي صلى الله عليه وسلم مع أن في موافقتهم زيادة عبادة، فآثر عليه الصلاة والسلام مخالفتهم بالتبكير في الإفاضة من مزدلفة مع أن في مكثه بجمع زيادة في زمن العبادة، فعلم أن مخالفتهم أفضل ولو كان في موافقتهم زيادة طاعة لله عز وجل، ففضيلة المخالفة تقدم على فضيلة الطاعة في حالة تعارضهما (5) .
(1) - يعني من مزدلفة إلى منى انظر: فتح الباري 3/481
(2) - أشرق بلفظ الأمر أي: لتطلع عليك الشمس، وثبير: بفتح الثاء: هو جبل عظيم بالمزدلفة على يسار الذاهب منها إلى منى، انظر: تحفة الأحوذي 3/546 وشرح السيوطي 5/263.
(3) - معناه كيما ندفع للنحر وهو من قولهم أغار الفرس إذا أسرع في عدوه، ولفظ: (كيما نغير) إنما ورد عند ابن ماجه وأحمد، انظر: فتح الباري: 3/532.
(4) - رواه البخاري في صحيحه 2 / 604 برقم: (1600) والترمذي في سننه 3 / 242 برقم: (896) ، و سنن النسائي (المجتبى) 5 / 265 برقم: (3047) ، و سنن ابن ماجه 2 /1006 برقم: (3022) ، و مسند أحمد 1/39 برقم: (275) .
(5) ما لم يكن في ذلك إضاعة لواجب أوجبه الله تبارك وتعالى علينا، فلا تجب المخالفة في هذه الحالة إلا في هيئة العبادة.