وجدنا أنها كانت صعبة ومريرة. فالمعركة استغرقت ثلاثة قرون متتالية، كل فلاسفة أوروبا جيشوا طاقاتهم. إن كل مثقف عربي لا يعتبر مشكلة الأصولية بمثابة المشكلة الأساسية لعصرنا ليس مثقفًا ولا يستحق هذه التسمية بأي حال. فالمثقف هو ذلك الشخص الذي يشعر بأنه مهموم بقضايا شعبه وأمته. فبدلًا من القراءة المنغلقة، بل والإرهابية التي يقدمها المتزمتون عن تراثنا الإسلامي، كان ينبغي أن نولد قراءة جديدة لنفس التراث كما فعل فلاسفة التنوير الأوروبي مع تراثهم المسيحي. فلو أن هؤلاء الفلاسفة قالوا بينهم وبين أنفسهم: أن معظم شعبنا أصولي أو يتبع الأصوليين في تفسيرهم للدين، وبالتالي فينبغي علينا أن نلتحق بالشعب ونستسلم للمقادير.. لو قالوا ذلك لما حصل أي تطور في أوروبا. كانت أوروبا ستظل جاهلة، متخلفة، تتخبط في حروبها الأهلية والمذهبية حتى هذه اللحظة. فالوفاء للشعب يعني إنقاذ الشعب من تصوراته الخاطئة، والآن أطرحُ هذا السؤال: هل يستطيع مثقف عربي واحد أن يقول: إن العصر الذي نعيشه هو عصر مستنير؟ أقصد العصر العربي أو الإسلامي بالطبع وليس العصر الأوروبي، لأننا نعاصر الأوروبيين زمنيًا لا فكريًا ولا عقليًا، من يجرؤ على ادعاء ذلك؟ لا، إنه عصر الأصولية الظافرة، عصر الضجيج والعجيج، عصر طالبان وبقية الجحافل الزاحفة على التاريخ. أكثر ما نستطيع قوله هو أننا نحضر لعصر تنويري عربي ـ إسلامي مقبل. ذلك أن الموجة الحالية سوف تنكسر أو تنحسر عما قريب. وبانحسارها سوف يبزغ نور جديد يكاد يخطف الأبصار، (1) نور انتظرناه طويلًا: أي منذ عدة قرون!. ولكي
(1) أخشى أن يكون النور الذي قال الله تعالى عنه: (يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (البقرة:20) .