فهرس الكتاب

الصفحة 447 من 555

نقدم مثالًا تطبيقيًا على صحة هذا القول يكفي أن ننظر إلى القرن الذي سبق مباشرة عصر التنوير في أوروبا: أي القرن السابع عشر. فقد كان عصرًا لاهوتيًا خطيرًا.. إنه العصر الذي شهد سيطرة التيار المضاد للإصلاح الديني، العصر الذي حاكم (غاليليو) ، وأجبر (ديكارت) على الهرب من فرنسا، وأرعب (سبينوزا) .. إنه عصر الحروب المذهبية والأهلية التي اجتاحت أوروبا. إنه عصر الإرهاب اللاهوتي الذي لا يقل جبروتًا عن إرهاب طالبان أو بقية الأصوليين الحاليين. ومع ذلك، فبعده بعشرين سنة فقط، دارت رحى المعركة بين التنويريين والظلاميين وكانت النتيجة لصالح التنوير: أي لصالح توليد تفسير جديد للدين. وهو تفسير تحريري، لا قمعي ولا ظلامي. هنا يكمن طريق الخلاص: بلورة فهم آخر للتراث الديني غير الفهم السائد والمسيطر منذ مئات السنين والذي يحاول الأصوليون إقناعنا بأنه هو وحده الممكن.. هكذا انتصرت أوروبا على نفسها، وحلت عقدتها التاريخية المزمنة المتمثلة بذلك الصدام المروع ما بين العقل اللاهوتي والعقل العلمي أو الفلسفي، كنت قد نبهت أكثر من مرة إلى خطورة لاهوت القرون الوسطى أو فقه القرون الوسطى، هذا اللاهوت الذي يسمح لأي جاهل بان يطلق فتاوى التكفير والتحريم والقتل والذبح..وقلت إن تفكيكه يمثل ضرورة ملحة وعاجلة بالنسبة لكل المجتمعات العربية والإسلامية.ولا يمكن لهذه المجتمعات أن تتقدم إلا إذا فككته لأنه يعرقل حركتها ويشعرها في كل خطوة تخطوها بالخطيئة والذنب (1)

(1) إن عقيدة الخطيئة والذنب لدى النصارى تعني: أن الذنب الذي قام به آدم عليه السلام حين أكل من الشجرة التي نهاه الله عن الأكل منها، لم يكفر عبر أجيال الإنسانية، وبقيت الإنسانية تحمل شؤم الخطيئة الأولى التي وقع فيها آدم حتى ولد المسيح (ابن الله) في زعمهم، وكان صلبه تكفيرًا للبشرية عن ذنب أبيهم آدم، إن هذه العقيدة التي تناقض العقل، إذا كان يمكن للنصارى أن يشعروا بالخجل في حال اعتقادها، فإنه لا يوجد في العقيدة الإسلامية الصحيحة التي جاء بها النبي - صلى الله عليه وسلم - منذ مئات السنين، ما يحتاج إلى تغيير اليوم بسبب أنه يدعو إلى الخجل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت