فهرس الكتاب

الصفحة 428 من 555

وبذلت الكنيسة جهدها في محاولة إسكات هذه الأصوات، مستخدمة في ذلك نفوذها على قلوب الناس وعقولهم وأرواحهم، وسلطانها (التقليدي) الذي كانت تأمر به فتطاع، وينظر إلى كلمتها على أنها موضع التقديس .. لأنها مرتبطة في حس الجماهير بالدين .. وما أعظم سلطان الدين على النفوس، كما استخدمت محاكم التفتيش حين اشتد فزعها وخافت على ما في يدها من السلطان. ولكن رويدًا رويدًا زادت الأصوات عددًا، وزادت جرأة، وزادت استخفافًا بالجبروت. علماء .. ومفكرون .. وفلاسفة .. مصلحون .. وحاقدون! حاقدون على سلطان الكنيسة الطاغي وما تتمتع به من المزايا بغير استحقاق .. وكان حجم الطغيان هائلًا مخيفًا، وكان له في الأرض تمكن طويل يبلغ عدة قرون. ولكن في النهاية حدث الانفجار! وكان بشعًا في شدة انفجاره، بشعًا في سرعة اكتساحه، بشعًا في قسوة الحمم الذي تفجر من بركانه.

واكتسحت الثورة الفرنسية في طريقها ما كان تراكم من المظالم خلال ألف وأربعمائة عام! وأزالت الطبقتين الحاكمتين الطاغيتين المتحالفتين! رجال الإقطاع (الأشراف!) ورجال الدين!" (1) ."

وهكذا صار الدين نفسه عقدة في ضمائر الأوربيين (2) ، ومثلهم كمثل الذي أكل طعامًا رديئًا فسبب له تسممًا في معدته، فعالج نفسه بأن امتنع عن الطعام كليًا؛ لأنه أصابته عقدة التألم بسبب نوع رديء من الطعام الفاسد، فصمم هذا على ترك الطعام بكل أنواعه، إن هذا الشخص نلحظ فيه أمرين: الأول أن مرضه أورثه مرضًا نفسيًا آخر، هو أعتى من المرض الذي كان يعاني منه، ويمكن أن نسميه: عقدة الألم. والثاني أن هذا الشخص لن يعيش طويلًا، فحاجته للطعام ماسة وعقدة الألم لن تشفع له في تخليصه من الجوع الذي واجهه أو سيواجهه، وسيموت، سيموت بفكرته الفاسدة، وتموت معه عقدته قريبًا.

(1) انظر: مذاهب فكرية معاصرة للشيخ محمد قطب، ص: (77-78 ) .

(2) انظر: مذاهب فكرية معاصرة للشيخ محمد قطب، ص: (512-513) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت