والنتيجة الطبيعية لهذا الصراع هو الثورة... الثورة على الدين، ما دام أن الذي يقف حائلًا أمام العلم هو الدين متمثلًا في الكنيسة ورجالها وكل ما يأمر به رجالها، ولكنها كانت ثورة على الدين ككل؛ وذلك لأن الصراع في أوروبا بين العلم والدين أنشأ لدى الأوروبيين تصورًا قاتمًا تجاه الدين، وهو أن الدين في مواجهة العلم دائمًا، ولا يمكن تصور دين متفق مع العلم، ولم ينتبه الأوربيون الغاضبون إلى أن تلك البدهيات المدخلة إلى الدين والتي تعارضت مع العلم هي من صنع البشر، ومن تحريف الكنيسة لدين الله _ الذي كان يومًا من الأيام دينًا يصلح لمن أنزل عليهم من البشر _ كقضية السلطان اللاهوتي المعطى للكنيسة، وهو داهية الدواهي، فلم يفكر الغربيون بنزع ذلك السلطان، بقدر ما فكروا بنزع الدين نفسه من التطبيق في مجالات الحياة البشرية كلها بل بالكفر به تمامًا.
يقول الشيخ محمد قطب:"ولقد بدأت نذر الثورة على الكنيسة ورجال الدين، وعلى الدين المزيف الذي تقدمه الكنيسة، بدأت منذ (عصر النهضة) (1) ، وبدأ الكتاب يتمردون على سلطان الكنيسة الطاغي ويهاجمون رجال الدين، بل يهاجمون كذلك خرافات ذلك الدين الكنسي ومعمياته. ولكنها كانت أصواتًا متناثرة، فظن القوم أنهم قادرون عليها وعلى إسكاتها. كانت هذه الأصوات تهز النائمين ليصحوا .. تزيل عنهم تبلد نفوسهم .. وتزيل (الأمر الواقع) من حسهم، وتشعرهم أن التغيير ممكن، وأن هذا الأمر الواقع ليست له صفة الخلود، ولا هو كذلك في منعة من النقد والتجريح."
(1) سبق التعريف بعصر النهضة، ص: (91) . ....