و"كانت الكنيسة آخذة بنظرية (بطليموس) التي تجعل الأرض مركز الكون، وتقول: إن الأجرام السماوية جميعها تدور حولها. فجاء القسيس (كوبرنيق) بنظرية تقول بخلاف النظرية القديمة، التي جعلتها الكنيسة ضمن معارفها الدينية، وشرح نظريته في كتابه (حركات الأجرام السماوية) . وطبع كتابه هذا، فثارت ثورة الكنيسة ضده، وقبل أن يساق إلى محكمة التفتيش أدركته منيته، فحرمت الكنيسة هذا الكتاب، ومنعت تداوله، وقالت: إن ما فيه هو وساوس شيطانية مغايرة لروح الإنجيل. وبعد عدة سنوات ظهر (جاليليو) الذي توصل إلى صنع المنظار الفلكي (التلسكوب) فأيد بمشاهداته نظرية (كوبرنيق) وقال بدوران الأرض. فسيق إلى محكمة التفتيش، وحكم عليه سبعة كرادلة بالسجن، وفرضوا عليه تلاوة مزامير الندم السبعة مرة كل أسبوع طوال ثلاث سنوات. ولما خاف (جاليليو) من المصير الذي انتهى إليه (برونو) أعلن توبته، ورجع عن رأيه، وركع أمام رئيس المحكمة قائلًا: أنا جاليليو وقد بلغت السبعين من عمري سجين راكع أمام فخامتك: والكتاب المقدس أمامي ألمسه بيدي، أرفض وألعن وأحتقر القول الإلحادي المخطئ بدوران الأرض. وتعهد للمحكمة بأن يبلغها عن كل ملحد يوسوس له الشيطان بتأييد هذا الزعم المضلل" (1) .
كل ذلك في الوقت الذي كان يزخر فيه الشرق الإسلامي بكل أنواع العلوم النافعة، وأوروبا على مرأىً ومسمع، والنفوس قد امتلأت كراهية لذلك الدين الذي يحبس الإنسان عن العلم والتطور والمضي في ركب الحضارة (2) .
(1) انظر: كواشف زيوف في المذاهب الفكرية المعاصرة، للشيخ عبد الرحمن حبنكة الميداني، ص: (49-50) .
(2) انظر: مذاهب فكرية معاصرة، للشيخ: محمد قطب، ص: (560) .