وجاء عن عمر - رضي الله عنهم - هذا الأثر: عن المعرور بن سويد (1) قال خرجنا مع عمر في حجة حجها فقرأ بنا (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ) (2) ، (لإِيلافِ قُرَيْشٍ) (3) ، فلما قضى حجه ورجع والناس يبتدرون فقال: ما هذا؟! فقالوا مسجد صلى فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: «هكذا هلك أهل الكتاب اتخذوا آثار أنبيائهم بيعًا، من عرضت له منكم فيه الصلاة فليصل ومن لم تعرض له منكم فيه الصلاة فلا يصل» (4) ، وهذا الأثر مما يؤكد التفريق السابق بين الأماكن التي لها أصل في الشرع _ كالمساجد التي صلى فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - _، وبين غيرها من الأماكن التي لا أصل لها في الشرع (كالقبور) ؛ فإن عمر - رضي الله عنه -لم يأمر بتخريب هذه الأماكن التي صلى فيها النبي - صلى الله عليه وسلم -، كما لو كان فيها قبر، ولم يحكم على ذات الفعل بأنه حرام بل قال: هكذا هلك، أي بمثل هذا إذا استشرى وكثر، ولم يفعل كما فعل بالشجرة (5) رغم أنها من الآثار ولم يكونوا يشركون عندها، بل كانوا يفعلون عندها ما يفعلونه في المسجد من صلاة وغير ذلك؛ لأن الشجرة ليس لوجودهم عندها مسوغ سوى أنهم اعتبروها عيدًا وأما المسجد فإنهم لهم مسوغ أن المساجد هي في الأصل أماكن للصلاة؛ فالمساجد قد لا يعتبر ذلك في حقها عيدًا؛ لما ذكرته،
(1) هو: الإمام المعمر أبو أمية الأسدي الكوفي. حدث عن ابن مسعود، وأبي ذر، وجماعة، وثقه يحيى بن معين. قال أبو حاتم: قال الأعمش: رأيته وهو ابن مئة وعشرين سنة، أسود الرأس واللحية، توفي سنة بضع وثمانين، انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي: 4/174.
(2) سورة: (الفيل:1) .
(3) سورة: (قريش:1) .
(4) - مصنف ابن أبي شيبة: 2/ 151، برقم: (7550) ، ومصنف عبد الرزاق: 2/118، برقم: (2734) ، ونقله شيخ الإسلام عن سنن سعيد بن منصور في اقتضاء الصراط المستقيم: 2/ 273.
(5) انظر: اقتضاء الصراط المستقيم: 1/386.