ويسوق شيخ الإسلام _ رحمه الله _ بعض آراء أهل العلم فيقول:"وقد اختلف العلماء رضي الله عنهم في إتيان تلك المشاهد فقال محمد بن وضاح (1) : كان مالك وغيره من علماء المدينة يكرهون إتيان تلك المساجد وتلك الآثار التي بالمدينة ما عدا قبرًا واحدًا ودخل سفيان الثوري بيت المقدس وصلى فيه ولم يتتبع تلك الآثار ولا الصلاة فيها فهؤلاء كرهوها مطلقًا لحديث عمر رضي الله عنه هذا لأن ذلك يشبه الصلاة عند المقابر إذ هو ذريعة إلى اتخاذها أعيادًا وإلى التشبه بأهل الكتاب ولأن ما فعله ابن عمر لم يوافقه عليه أحد من الصحابة فلم ينقل عن الخلفاء الراشدين ولا عن غيرهم من المهاجرين والأنصار أن أحدًا منهم كان يتحرى قصد الأمكنة التي نزلها النبي صلى الله عليه وسلم والصواب مع جمهور الصحابة لأن متابعة النبي صلى الله عليه وسلم تكون بطاعة أمره وتكون في فعله بأن يفعل مثل ما فعل على الوجه الذي فعله فإذا قصد النبي صلى الله عليه وسلم العبادة في مكان كان قصد العبادة فيه متابعة له كقصد المشاعر والمساجد وأما إذا نزل في مكان بحكم الاتفاق لكونه صادف وقت النزول أو غير ذلك مما يعلم أنه لم يتحر ذلك المكان فإنا إذا تحرينا ذلك المكان لم نكن متبعين له فإن الأعمال بالنيات" (2) ، فإنه إنما يكون الاتباع في تحري ما تحراه النبي - صلى الله عليه وسلم - لا في تحري ما فعله رسول الله - صلى
(1) هو: محمد بن وضاح بن بزيع مولى ملك الأندلس عبد الرحمن ابن معاوية الأموي هو الحافظ الكبير أبو عبد الله القرطبي، ولد سنة مائتين وعشرون أو قبلها، كان عالمًا بالحديث بصيرًا بطرقه وعلله ورعًا زاهدًا متعففًا صبورًا على نشر العلم وله خطأ كثير وغلط وتصحيف ولا علم له بالفقه ولا بالعربية مات في محرم سنة تسع وثمانين ومائتين، انظر طبقات الحفاظ، ص: (287) ، والمغني في الضعفاء: 2/641، وميزان الاعتدال في نقد الرجال: 6/359.
(2) - اقتضاء الصراط المستقيم: 2/275-274 .