فهرس الكتاب

الصفحة 34 من 555

…4- ومن نهيه تعالى عن التشبه بهم فيما هو محرم علينا قوله تعالى: (كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) (1) ، وهذه الآية من أقوى الآيات في التخويف من سلوك سبيل الكافرين، والتحذير من التشبه بهم، فقد جمع الله تبارك وتعالى فيها بين وصف المنافقين بالتشبه بهم في جانب الاعتقاد الفاسد والأهواء الباطلة وبين وصفهم بالاستمتاع بالنصيب الحرام من الشهوات، كما أن هذه الآية جاءت في سورة التوبة وهي التي تسمى الفاضحة لأنها فضحت المنافقين وجلّت صفاتهم،فقد روى البخاري أن ابن عباس سُئل عن سورة التوبة ؟ فقال:"التوبة هي الفاضحة ما زالت تنزل (ومنهم) حتى ظنوا أنها لن تبقي أحدًا منهم إلا ذكر فيها" (2) ، وما ذكره الله في هذه الآية هو بعض صفات المنافقين في هذه السورة العظيمة التي فضح الله فيها المنافقين بذكر صفاتهم العملية وكان منها صفة التشبه بالكفار، فيؤخذ منها أن التشبه بالكفار إنما هو من صفات المنافقين التي حذرت منها هذه السورة، قال الطبري رحمه الله:" (فاستمتعوا بخلاقهم) يقول فتمتعوا بنصيبهم وحظهم من دنياهم ودينهم ورضوا بذلك من نصيبهم في الدنيا عوضًا من نصيبهم في الآخرة وقد سلكتم أيها المنافقون سبيلهم في الاستمتاع (وخضتم) في الكذب والباطل على الله" (3) ، فلم يكتف بذكر تحريم هذه الأفعال بل شبه مقارفتهم لها بفعل الذين كفروا من قبل مما زاد في قبحها ونكارتها،

(1) سورة التوبة - 69

(2) - أخرجه البخاري: 4/ 1852 برقم: (4600) ، وأخرجه مسلم: 4/2322 برقم: (3031) .

(3) تفسير الطبري: 10 / 175، وانظر: تفسير القرطبي: 8/201

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت