فهرس الكتاب

الصفحة 338 من 555

قال الشافعي رحمه الله في محاورة له مع بعض أهل العلم:"قال فإني أجد أهل العلم قديما وحديثًا مختلفين في بعض أمورهم فهل يسعهم ذلك، قال فقلت له الاختلاف من وجهين أحدهما محرم ولا أقول ذلك في الآخر، قال فما الاختلاف المحرم، قلت كل ما أقام الله به الحجة في كتابه أو على لسان نبيه منصوصًا بيِّنًا لم يحل الاختلاف فيه لمن علمه، وما كان من ذلك يحتمل التأويل ويدرك قياسًا فذهب المتأول أو القايس إلى معنى يحتمله الخبر أو القياس وإن خالفه فيه غيره لم أقل أنه يضيق الخلاف في المنصوص. قال فهل في هذا حجة تبين فرقك بين الاختلافين قلت قال الله في ذم التفرق (وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ) (1) ، وقال جل ثناؤه (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ) (2) ، فذم الاختلاف فيما جاءتهم به البينات" (3) ، فبين الإمام الشافعي _ رحمه الله _ أن الاختلاف نوعين: أحدهما محرم والآخر سائغ بين أهل العلم وجعل ضابط الاختلاف المحرم هو ما أقام الله فيه الحجة على خلقه في كتابه أو على لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم -، فلا يجوز الخلاف في فهم النصوص المبينة، لمن علم معناها، وأما ما كان يحتمل التأويل من النصوص التي لم ترق إلى منزلة النصوص المحكمة من ناحية الإحكام فالخلاف فيها سائغ، ما دام أنها ليست من البينات الواضحات واستدل بقوله تعالى: (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ) (4) ، فلا داعي للخلاف والفرقة مع وجود البينات.

(1) سورة: (البينة:4) .

(2) سورة: (آل عمران: من الآية105) .

(3) - الرسالة للإمام الشافعي، ص: (560- 561) .

(4) سورة: (آل عمران: من الآية105) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت