…وهو رأي شيخ الإسلام ابن تيمية _ رحمه الله _ حيث قال:"والصواب الذي عليه الأئمة أن مسائل الاجتهاد ما لم يكن فيها دليل يجب العمل به وجوبًا ظاهرًا مثل حديث صحيح لا معارض من جنسه فيسوغ له _ إذا عدم ذلك فيها _ الاجتهاد لتعارض الأدلة المتقاربة أو لخفاء الأدلة فيها" (1) ، فجعل الاختلاف السائغ هو الاختلاف الذي عدم فيه الدليل الذي يجب العمل به وجوبًا ظاهرًا.
…وهو رأي تلميذه المحقق ابن القيم _ رحمه الله _ حيث يقول:"الاجتهاد إنما يعمل به عند عدم النص فإذا تبين النص فلا اجتهاد إلا في إبطال ما خالفه" (2) .
وعلى هذا فإن الاختلاف إذا كان في ما لا نص فيه خرج عن كونه من الاختلاف المذموم إلا أن يكون الخلاف في مسألة مشكلة من أجل هوى في النفس، وعندها لن يكون هذا الخلاف من الاختلاف المنهي عنه في قوله تعالى: (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (3) ، لأن شأن هذا الاختلاف _ الذي يكون في المسائل الفرعية التي لا نص فيها _ أنه ليس فيه مخالفة واضحة مع الكتاب والسنة فلا يحدث فرقة حتى لو كان دافع القائل بالقول الذي فيه بعد عن الصواب: هو الهوى؛ حيث يجب تقديم العذر للمخالف؛ لأن ظاهره الاجتهاد ما دامت المسألة اجتهادية وليست نصية، فلا يمكن التفريق بينه وبين المخالف المجتهد بلا هوى بسهولة، كما أن الاختلاف المنهي عنه في هذه الآية _ والذي يعتبر تشبهًا بأهل الكتاب _ هو الاختلاف بعد مجيء البينات والعلم، وهنا لا تعتبر هذه المسألة من البينات ما دامت ليست نصية بل هي اجتهادية.
(1) - الفتاوى الكبرى: 3 ص:181- 182
(2) إغاثة اللهفان: (1/170) .
(3) سورة (آل عمران:105) .