فهرس الكتاب

الصفحة 335 من 555

ولذلك فإن المخالف لأهل السنة والجماعة، هو في الحقيقة مخالف للآيات المحكمة من القرآن، أو الأحاديث الصريحة من السنة، ويكون قد غرَّه ظاهر آية مشتبه، وكان الأولى به أن يرد المتشابه إلى المحكم، ولكن ما منعه من ذلك إلا هواه المخالف للكتاب والسنة.

ولذلك يقول الشاطبي _ رحمه الله _:"غير أن الهوى زاغ بمن أراد الله زيغه، بخلاف غير المبتدع، فإنه إنما جعل الهداية إلى الحق أول مطالبه، وأخر هواه _ إن كان _ فجعله بالتبع، فوجد جمهور الأدلة ومعظم الكتاب واضحًا في الطلب الذي بحث عنه، فوجد الجادة وما شذ له عن ذلك فإما أن يرده إليه، وإما أن يكله إلى عالمه، ولا يتكلف البحث عن تأويله. وفيصل القضية بينهما قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ) (1) ، فلا يصح أن يسمى من هذه حاله مبتدعًا ولا ضالاَّ، وإن حصل في الخلاف أو خفي عليه. فأما أنه غير مبتدع: فلأنه اتبع الأدلة، ملقيًا إليها حَكَمَةَ الانقياد باسطًا يد الافتقار مؤخرًا هواه، ومقدمًا لأمر الله. وأما كونه غير ضال؛ فلأنه على الجادة سلك، وإليها لجأ، فإن خرج عنها يومًا فأخطأ، فلا حرج عليه، بل يكون مأجورًا حسبما بينه الحديث الصحيح: (( إذا اجتهد الحاكم فأخطأ، فله أجر، وإن أصاب، فله أجران ) )" (2) .

(1) سورة: (آل عمران:7) .

(2) انظر: الاعتصام للشاطبي: 1/176-179، باختصار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت