فهرس الكتاب

الصفحة 334 من 555

ولكن يؤخذ في الاعتبار: كون المخالف لهذه النصوص متبع لهواه، وإلا لم يكن من المبتدعة المخالفين للنصوص، وفي هذا يقول الشاطبي (1) _ رحمه الله _:"فالمبتدع من هذه الأمة، إنما ضل في أدلتها، حيث أخذها مأخذ الهوى والشهوة لا مأخذ الانقياد تحت أحكام الله. وهذا هو الفرق بين المبتدع وغيره؛ لأن المبتدع جعل الهوى أول مطالبه، وأخذ الأدلة بالتبع، ومن شأن الأدلة أنها جارية على كلام العرب، ومن شأن كلامها الاحتراز فيه بالظواهر، فكما تجد فيه نصًا لا يحتمل التأويل، تجد فيه ظاهرًا يحتمل التأويل، حسبما قرره من تقدم في غير هذا العلم، وكل ظاهر يمكن فيه أن يصرف عن مقتضاه في الظاهر المقصود، ويُتأول على غير ما قصد فيه، فكأن المبتدع أغرق في الخروج عن السنة، وأمكن في ضلال البدعة، فإذا غلب الهوى أمكن انقياد ألفاظ الأدلة إلى ما أراد منها. والدليل على ذلك أنك لا تجد مبتدعًا ممن يُنسب إلى الملة إلا وهو يستشهد على بدعته بدليل شرعي، فيُنزله على ما وافق عقله وشهوته. لكن إنما ينساق لهم من الأدلة المتشابه منها لا الواضح، والقليل منها لا الكثير، فإن المعظم والجمهور من الأدلة إذا دل على أمر بظاهره، فهو الحق، فإن جاء على ما ظاهره الخلاف فهو النادر والقليل، فكان من حق الظاهر ردُّ القليل إلى الكثير والمتشابه إلى الواضح" (2) .

(1) هو: إبراهيم بن موسى بن محمد الغرناطي الشهير بالشاطبي، ويكنى بأبي إسحاق، من مؤلفاته: الإفادات والإنشادات، شرح جليل على الخلاصة في النحو، عنوان الاتفاق في علم الاشتقاق، الفتاوى، كتاب المجالس، الموافقات، ت: (790هـ) ، انظر: مقدمة تحقيق كتاب الاعتصام للشاطبي، ص: (9-10) .

(2) انظر: الاعتصام للشاطبي: 1/176-179، باختصار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت