فهرس الكتاب

الصفحة 331 من 555

ومن الاختلاف السائغ الذي جاء به الشرع: اختلاف التنوع الذي لا تضاد فيه (1) ، مثاله ما جاء عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: سمعت رجلًا قرأ آية وسمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ خلافها فجئت به النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته فعرفت في وجهه الكراهية وقال: (( كلاكما محسن ولا تختلفوا فإن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا ) ) (2) .

وغضب النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذه الحادثة يشعر بأن الخلاف والفراق الذي لا حاجة له لا ينبغي بين الأمة، فعبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - كان متأكدًا من القراءة التي عنده، وسمع قراءة من رجل آخر ثقة، فلما جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - مخالفًا لصاحبه كره ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم -، لما فيه من الخلاف الذي لا ينبغي، فالقرآن نزل بهذا ونزل بهذا، وهذا النوع من الخلاف ليس من نوع الاختلاف الذي فيه مفارقة للكتاب والسنة؛ فكلا الرجلين مصيب، وإنما الخطأ الذي كرهه النبي - صلى الله عليه وسلم - هو المنازعة في أمرين كلاهما على صواب، ومع ذلك فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - رتب على هذا النوع من الخلاف الهلاك، وبين أنه وقع في من كان قبلنا.

…وإن كان الأمر يعود إلى الاختلاف على القرآن؛ فإن كل واحد من الرجلين ينكر ما عند الآخر من القرآن وهذا يفضي إلى الكفر ببعض القرآن ومخالفته، فرجع الأمر إلى مخالفة الكتاب.

(1) يقول شيخ الإسلام _ رحمه الله _:"واختلاف التنوع على وجوه: منه مايكون كل واحد من القولين أو الفعلين حقًا مشروعًا، كما في القراءات وصفة الأذان والإقامة والتشهدات، ومنه ما يكون كل من القولين هو في معنى القول الآخر، لكن العبارتين مختلفتان، ومنه: مايكون المعنيان غيرين، لكن لا يتنافيان، فهذا قول صحيح وهذا قول صحيح، انظر: اقتضاء الصراط المستقيم: 1/149-150."

(2) أخرجه البخاري: 3/1282، برقم: (3289) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت