فهرس الكتاب

الصفحة 20 من 555

وحديث عمرو بن عبسة _- رضي الله عنه - _ السابق يفهم منه وجوب ترك العمل الذي فيه مشابهة للكفار، ولو كان مع عدم التشوف (1) والميل القلبي إلى ما عند الكفار وبه قال شيخ الإسلام كما سبق عرضه (2) ، وقد قال ابن تيمية _ رحمه الله _ في موضع آخر:"ما كان في الأصل مأخوذًا عنهم، إما على الوجه الذي يفعلونه، وإما مع نوع تغيير في الزمان، أو المكان، أو الفعل، ونحو ذلك، فهو غالب ما يبتلى به العامة، في مثل ما يصنعونه في الخميس الحقير (3) والميلاد ونحوهما، فإنهم قد نشؤوا على اعتياد ذلك، وتلقاه الأبناء عن الآباء وأكثرهم لا يعلمون مبدأ ذلك، فهذا يعرّف صاحبُه حكمَه فإن لم ينته وإلا صار من القسم الأول" (4) ، يقصد بالأول ما لا شك في تحريمه من التشبه بهم، وقد فصله قبل هذا الكلام، ووجه الاستدلال بكلامه _ رحمه الله _ هنا: أن من عمل ما كان مأخوذًا عنهم في الأصل وهو لا يعلم أنه من عوائدهم؛ فهو بلا شك لا يقصد التشبه بهم، ومع ذلك أمر شيخ الإسلام بأن يعرَّف صاحب الفعل حكمه _ وهو التحريم _ ثم بعد ذلك إذا انتهى عن الفعل فبها ونعمت وأما إذا لم ينته فقد صار من القسم الأول المحرم، وفي هذه الحال لا يكون هذا قد قصد التشبه؛ لأنه كان يفعل الفعل ذاته قبل أن يعلم أنه من خصائصهم، وكذلك لم يقل شيخ الإسلام: يُسأل صاحبُه عن قصده، بل قال يعرَّف صاحبه حكمه، فلم يشترط أن يقصد التشبه، بل اشترط مجرد المعرفة بأن هذا الفعل من خصائص

(1) والتشوف: التطلع لما عندهم مع الطلب وتعلق الأمل، انظر لسان العرب: 9/185، والمصباح المنير: 1/327، ومختار الصحاح: 1/147.

(2) كما سبق في الصفحة السابقة، وانظر: اقتضاء الصراط المستقيم: 1/218

(3) - يقصدون به الخميس الكبير عندهم، ويزعمون أن في مثله نزلت المائدة على عيسى عليه السلام، سماه شيخ الإسلام بالخميس الحقير تصغيرًا له، انظر: اقتضاء الصراط المستقيم: 1/537

(4) انظر اقتضاء الصراط المستقيم: 1/ 552

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت