والقدرة يتطرق إلي النقص في كمال الربوبية وذلك يحتمل الكفر ويضارعه أو يقرب منه" (1) ، وإنما كان إنكار الأشاعرة للحكمة بسبب إرادتهم نفي الغرض عن الله؛ لتوهم التشبيه بالحوادث؛ لأن الغرض هو من الأعراض التي هي من خصائص الأجسام التي ثبت عندهم أنها حادثة، وذلك بالاعتماد على مقدماتهم المنطقية."
وفي نفي الحكمة عن الله يقول الآمدي:"ونحن لا ننكر أن ذلك (2) مما يقع وإنما ننكر كونه مقصودًا بالتكليفات والأمر بالطاعات حتى يقال: إنه خلق لكذا أو لعلة كذا بل تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا، بل ويكفى الخصم من سخف عقله وزيف رأيه أن عادت حكمة خلق السموات والأرض والنجوم والشجر والجبال وإظهار الآيات والدلائل والمعجزات وإيجاب الطاعات والعبادات وتصريف الخلائق بين المأمورات والمنهيات إلى لذة يجدها بعض المخلوقين في مقابلة طاعته تزيد على اللذة التي يجدها بطريق الابتداء والتفضل، مع أن الله تعالى قادر على أن يخلق له أضعاف تلك اللذة في التفضل الابتدائي من غير تعب ولا نصب إن الله على كل شئ قدير" (3) ، وهنا يحاول الآمدي أن ينفي صفة الحكمة عن الله بحجة فهمه لمعنى الحكمة في القرآن (4) بأنها تشبه تلك اللذة الحاصلة لدى العبد المقدم على فعل له فيه مصلحة، وكان الأولى به أن ينزه الله تعالى عن العبث كما نزهه عن حصول اللذة له، فلا لذة ولا عبث تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا، فإن نفي الحكمة عن الله والتي يسميها المتكلمون: الغرض _ تسمية ما أنزل الله بها من سلطان _ يوجب إثبات أن تكون مفعولات الله جل جلاله هي ضرب من العبث.
(1) انظر: إيثار الحق على الخلق، ابن الوزير محمد بن إبراهيم الحسني القاسمي: 1/ 201.
(2) - المقصود بـ (ذلك) : هو الحكمة والتعليل في مفعولات الله _ جل جلاله_.
(3) - غاية المرام في علم الكلام: ص: (242) .
(4) - من مثل قوله تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إلاَّ لِيَعْبُدُونِ) (الذريات:56) .