وطريقة المتكلمين في إنكار الصفات المبنية على صريح المعقول عندهم وإن كانت تلك الصفات قد ثبتت بالكتاب أو السنة أو الإجماع، ليست طريقة جديدة، بل سبقهم بها مشركوا العرب حينما حكَّموا عقولهم في نفي ما أثبته الرسول صلى الله عليه وسلم من خلال القرآن من البعث بعد الموت، حيث قالوا _ كما جاء في القرآن _: (قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ) (1) ، فعارضوا الوحي، في صريح ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من البعث بعد الموت، وطريقة المتكلمين فيها مشابهة لما سلكه مشركوا مكة حين صعب عليهم التصديق بما يخالف مشاهداتهم، فادعوا مخالفة صريح الوحي للحس والمشاهدة والمعقول، فكفروا بالوحي، لأنهم لم يجدوا مخرجًا إلا إنكار أحد المتناقضين على حسب ما توصلوا إليه، وأما المتكلمون الذين ادعوا مخالفة صريح الوحي للقطعيات العقلية حاولوا أن يخرجوا من هذا التعارض الذي في أذهانهم بتأويل النص أو بالطعن في ثبوته، فلم يكن من فرق بينهما إلا أن مشركي العرب عارضوا الوحي بالحس والمشاهدة، وهي بلا شك أقوى مما عارض به المتكلمون النص؛ فإنهم عارضوه بالمعطيات العقلية المبنية على مقدمات منطقية والمحسوسات أقوى بلا شك من المعقولات؛ فإن المعقولات لم تقم إلا بما هو محسوس ومشاهد؛ فأنّى لمن كان أعمى أصم أن يرتب مقدمات ليصل بها إلى نتائج صحيحة! وفرق آخر أن مشركي العرب قاموا بالكفر بالنص صراحة، وأما المتكلمون فطريقتهم هي محاولة الجمع بين النص وبين المعقول _ في نظرهم _ بما يزري على النص، ويبقي العقل شامخًا على حساب النص، والله المستعان، هذا هو الفرق بينهما في نظري، وإلا فإن هؤلاء اعترضوا على النص بحجة أنه مخالف للعقل وأولئك كذلك، وهؤلاء أزروا على النص وأولئك ردوه جملة وتفصيلًا، ولم تتهم كلتا الطائفتين ما توصلت إليه من المعقولات.
(1) سورة: (المؤمنون:82) .