…قال شيخ الإسلام _ رحمه الله _:"فالإلهية عند القوم أمر مشترك بين الله وبين الملائكة وبين المعلمين ومن نقتدي به لكن إلهية الله أفضل وأكمل كما أن الوجود مشترك بين الموجودات لكن الوجود الواجب أكمل وهذا الشرك شر من شرك مشركي العرب فإن أولئك وإن أشركوا بالوسائط وقالوا: ( هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ) (1) ، وقالوا: ( مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى) (2) ، فلم يكن التأله عندهم بمعنى التشبه والاقتداء، بل بمعنى العبادة والذل والمحبة، وهؤلاء مع عظيم شركهم بالله بمخلوقاته جعلوا التأله لنا هو التشبه بالإله لا أنه يُحب ويُعبد ويُدعى ويُسأل ولهذا لم تكن الآلهة مختصة بالله عندهم لأن التشبه مبناه على أن الأدنى يتشبه بالذي فوقه والذي فوقه يتشبه بمن فوقه حتى ينتهي إلى الغاية ولهذا سموه إله الآلهة ولهذا يقولون إن كل فلك يتحرك للتشبه بعقله ففلك القمر يتحرك للتشبه بالعقل العاشر والفلك التاسع يتحرك للتشبه بالعقل الثامن وبهذا الطريق أثبت أرسطو وأتباعه وجوده وقالوا إن الفلك يتحرك للتشبه به وشبهوه بتحريك المعشوق لعاشقه لكن العاشق يحب ذات المعشوق والفلك عندهم إنما يحب التشبه بالله وهو كتحريك الإمام للمصلين والمتبوع للتابعين فلم يثبتوا بهذا أن الله رب العالمين خلقه وأنشأه ولا أنه إله العالم الذي يحبه العبد ويرجوه ويخشاه" (3) ، وعلى هذا فعبادتهم لله إنما هي تشبههم به، وهذا ما لم يقل به حتى مشركوا العرب، فإنهم يعلمون أن الله فوق خلقه في ذاته وصفاته وقهره، وإنما كان شركهم في الوسائط، فهؤلاء المتفلسفة قد أزروا بمنزلة الربوبية في قلوبهم، حتى صارت عقيدة الإله عند مشركي قريش خير من تصور الإله في أذهان هؤلاء الفلاسفة (4)
(1) سورة: (يونس: من الآية18) .
(2) سورة: (الزمر: من الآية3) .
(3) - الصفدية: 2/334، وانظر: منهاج السنة النبوية: 3 / 285.
(4) - بل ذكر شيخ الإسلام أن اعتقادهم شر من اعتقاد اليهود والنصارى، انظر: منهاج السنة النبوية: 3 / 285