…ونرى على سبيل المثال بعض الباحثين يقرر صحة مذهب المعتزلة وعدم تناقضه، رغم أنهم يقولون بنفي الصفات وما ذلك إلا لتأثره بالمنهج الفلسفي اليوناني _ والذي استقى منه المعتزلة مذهبهم في الصفات (1) بعد تحويره في قالب كلامي منطقي _ فيقول:"وأن قول المعتزلة بهذا الوجود العقلي، أو الصوري أو الإلهي للأشياء لا يعني قولهم بوجودها الفعلي، الحسي المادي في الخارج، وبذلك ينحل التناقض، وتبقى الوحدة الفكرية في مذهبهم، بحيث لا يوجد أي تناقض في منظورهم الميتافيزيقي (2) ، حول الله والعالم" (3) ، ومن المعلوم أن مذهب المعتزلة قائم على الفلسفة اليونانية، وهي التي جاء أصحابها بالبدع الاعتقادية الكبرى من نفي الصفات والقدر استنادًا على مقدمات كلامية فاسدة مأخوذة عن اليونانيين، فهل يوصف مثل هذا المنهج الفكري بالوحدة الفكرية وعدم التناقض؟! (4)
(1) - قال أبو الحسن الأشعري: عن المعتزلة الذين قالوا بنفي الصفات:"وهذا القول أخذوه عن إخوانهم من المتفلسفة الذين يزعمون أن للعالم صانعًا لم يزل ليس بعالم ولا قادر ولا سميع ولا بصير ولا قديم".... إلى أن قال:"ولولا الخوف لأظهروا ما كانت الفلاسفة تظهره من ذلك ولأفصحوا به غير أن خوف السيف يمنعهم من إظهار ذلك، وقد أفصح بذلك رجل يعرف بابن الإيادي كان ينتحل قولهم فزعم أن البارئ سبحانه عالم قادر سميع بصير في المجاز لا في الحقيقة"، انظر: مقالات الإسلاميين للأشعري: 1/483، وانظر: نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام، الصفحة: (370) .
(2) "ميتافيزيقا: فرع من الفلسفة يبحث عن الحقيقة الأولية للوجود، سماها أرسطو الخبرة، كما يبحث في ماهية الإله والعالم والإنسان، وفيما وراء الطبيعة والحس. هاجمتها المذاهب التجريبية والمادية الوضعية الحديثة"، الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة: 2/1155
(3) انظر: الفكر الفلسفي الإسلامي، د. حسام الألوسي: ص:33
(4) - مع أن شيخ الإسلام أثبت تناقضهم في الصفات والذات فإنهم لما نفوا الصفات لعلة التشبيه ألزموا بنفي الذات لوجود نفس العلة في إثباتها، فلم يلتزموا باللازم، انظر: التدمرية، ص: (43) .