وطيلة عهد الخلفاء الراشدين ركب وقومه، موجة الولاء والتقرب لمن بيده السلطة، وهو نهجه منذ أسلم وطلب من الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يعين ولده معاوية كاتبا له وأن يتزوج بنته الثانية عزة بنت أبي سفيان، واستعان على ذلك بأختها أم حبيبة؛ فأجابه للأولى ولم يجبه للثانية مبينا له أن الجمع بين الأختين لا يحل [1] . وفي نفس الوقت كان رجل آخر من بني أمية، عم لعثمان بن عفان، هو الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس، يتنقص من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويغتابه، ويتسمع ما يُسِرُّهُ إلى أصحابه فيفشيه إلى المشركين من قريش؛ كما كان يقلده في مشيته وبعض حركاته بشكل ينطوي على التهكم. فنفاه الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى الطائف. وكان أموي ثالث كاتبا للوحي هو عبد الله بن أبي سرح، ولكنه ارتد؛ فأهدر النبي - صلى الله عليه وسلم - دمه، فشفع له عثمان يوم الفتح فقبل توبته وعفا عنه [2] .
وعندما توفي الرسول - صلى الله عليه وسلم -، كان عامله على مكة عتاب بن أسيد بن أبي العاص ابن أمية، فخنس واختبأ عن القوم وتركهم للردة تأكلهم، لولا أن سهيل بن عمرو وعظهم على باب الكعبة فثبتوا على الإسلام.
هذه الحالة الأموية لم تكن خفية على أبي بكر؛ ولذلك كان يحاول الاستفادة للإسلام من شجاعتهم وخبرتهم الحربية بأقل الأضرار. وعندما بعث يزيد بن أبي سفيان إلى الشام واليا، كان من أبرز نصائحه له ألا يولي أقاربه، وقد روى الحاكم عن يزيد بن أبي سفيان وقال صحيح الإسناد، قال: (قال لي أبو بكر الصديق ـ رضي الله عنه ـ حين بعثني إلى الشام:"يا يزيد إن لك قرابة عسيت أن تؤثرهم بالإمارة، وذلك أكثر ما أخاف عليك، بعدما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"من ولي من أمور المسلمين شيئا فأمر عليهم أحدا محاباة فعليه لعنة الله. لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا حتى يدخله جهنم") ."
(1) - ابن كثير 8/ 21.
(2) - ابن كثير 7/ 151.