هذا الرجل هو أبو عبيدة بن الجراح الذي قطع الصلة بأقرب الناس إليه موالاة لربه. وذلك أكبر ضمان يحول دون توارث الخلافة إن وُلِّيَها.
لذلك أخذ أبو بكر بيدي عمر وأبي عبيدة ورشحهما يوم السقيفة. إلا أنهما رفضا أن يتقدما عليه ثم أقحماه فيها. فتتابعت بيعة الأنصار والمهاجرين لأبي بكر؛ ولم يتخلف إلا سعد بن عبادة الذي أنف ولجَّ في أنفته مع بعض أنصاره وأقاربه، فلم يبايع أبا بكر ولا عمر في خلافته، ورفض أن يقر الخلافة في قريش.
لقد كان أبو بكر وعمر يعرفان عزة الأنصار أوسًا وخزرجًا، والقرشيين أمويين وهاشميين، وتعلقهم بالرئاسة وطموحهم إلى احتكارها وتوارثها؛ لذلك حرصا على أن لا يكون الأمر لرجل منهم، وأعانهما على ذلك تخلف الإمام علي عن حضور اجتماع السقيفة.
وبقي أبو بكر وعمر برغم ترخصهما في أمر الاستخلاف مخافة الفتنة ـ وهو الهاجس الذي ظل ينغص حياتهما ـ، وَفِيَّيْنِ لمبدأ العزيمة الذي هو عدم جواز التوارث واحتكار أمر المسلمين في أسرة أو قبيلة أو فئة.
فعندما احتضر أبو بكر، كان له من بين أسرته وأصهاره وبني تيم رهطه، من هم أهل للإمامة. ومع ذلك أعرض عنهم واستخلف عمر من بطن آخر مستضعف في قريش هم بنو عدي.
كان له ابنه عبد الرحمن شقيق عائشة ـ رضي الله عنها ـ، شهد اليمامة وقتل سبعة من أكابر المرتدين، منهم مُحَكَّم اليمامة الذي كان في ثلمة من الحصن، فرماه عبد الرحمن بسهم فأصاب مقتله ودخل المسلمون من تلك الثلمة. وهو الذي وقف في وجه معاوية عندما أراد أخذ البيعة لولده فقال له [1] :"أهرقلية؟ كلما مات قيصر كان قيصر مكانه، لا نفعل والله أبدا".
(1) - الإصابة 2/ 408.