لقد تطور الفكر السياسي لدى الفقهاء والمتكلمين عبر منهجية"الغاية تبرر الوسيلة"، قبل مكيافيلي بأكثر من خمسة قرون تقريبا. وتدرج عبر مراحل، من مدرسة الماوردي ذات الصباغ الإسلامي المكثف، إلى ما دُعي"الآداب الملوكية ومرايا الأمراء"ذي النزعة الأخلاقية، إلى المدرسة النفعية الواضحة البينة التي مهدت لظهور الفكر السياسي المعاصر، الذي أسسه مكيافيلي في أوائل القرن الميلادي السادس عشر.
وقد بلغت هذه المدرسة الفقهية أوْجَ وضوحها لدى محمد بن عبد الله الخطيب الإسكافي (ت 431 هـ/1039 م) ، في كتابه"لُطف التدبير في سياسات الملوك"، الذي يُعد بحق خطوة تأسيسية جريئة ومهمة نحو علم السياسة الحديث، مما يدحض ما ذهب إليه مفكرو الغرب من نسبة ذلك إلى مكيافيلي.
وإنه بأدنى مقارنة بين كتاب الخطيب الإسكافي"لطف التدبير"، وبين كتابي"الأمير"و"المطارحات"لمكيافيلي؛ يتضح التقارب الذي يكاد يكون تطابقا بين منهجي الرجلين وتفكيرهما، خاصة عند استعراض عناوين الأبواب والفصول في الكتب الثلاثة؛ وهي عناوين يحتاج إليها كل من ساس الناس وولي أمرهم أو كان له طموح لذلك؛ سواء في تدبير الملك وإدارة شؤون الدولة، أو في معالجة الفتن والشغب والمناورات والحروب وصد الأعداء والمكر بهم وخداعهم ومكايدتهم، أو في الانتقام والثأر وكشف الأسرار وحفظ العهود وفسخها.
ولئن كان الإسكافي قد أورد آراءه بطريقة غير مباشرة، عبر أخبار وحكايات وأحداث تاريخية يتفق مغزاها وعنوان الباب؛ فإنه ترك أمر التعليق عليها واستخلاص العبر منها للقارئ وحده، فلم يستطرد أو يتبسط في رواياته، ولم يقحم تجاربه وخبراته ومشاهداته، ولم ينتقد أو يعلق بما يُعد وجهة نظر له. وإنما استهدف أن يضع لحكام عصره حلولا عملية لما يجابههم من مشاكل واجهت غيرهم في أمم أخرى، لعلهم يستفيدون من ذلك ويعتبرون.