فهرس الكتاب

الصفحة 206 من 356

وأعوان الأمير وزراء وقضاة وقادة للجيوش، يجب أن ينكروا ذواتهم في الخدمة، ولا يكون لهم أي طموح للمجد والرفعة، وهو ما عبَّر عنه نجم الدين الطرسوسي [1] بقوله:"أما تولية نيابة السلطنة فينبغي للسلطان أن يختار لها من يوثق بعقله وعفته وديانته وفطنته وقلة طمعه وكلامه، فإنه في البلد التي يتولاها السلطان الحاضر. ويُشترط ألا يكون متطلعا إلى السلطنة ولا تطالبه نفسه بالمرتبة الكبيرة". وفي نفس الاتجاه يقول مكيافيلي [2] :"إذا كان قادة الجيوش من الأكفاء فعلا فليس في وسعك الاعتماد عليهم؛ لأنهم سيتطلعون دائما إلى تحقيق أمجادهم الشخصية، إما عن طريق اضطهادك أنت سيدهم، أو اضطهاد الآخرين عاصين في ذلك أوامرك"، ويزيد [3] :"عندما يفكر الوزير بنفسه أكثر من تفكيره بك، وعندما يستهدف في جميع أعماله مصالحه الخاصة ومنافعه، فإن مثل هذا الرجل لا يصلح لأن يكون وزيرا نافعا، ولن يكون بإمكانك الاعتماد عليه".

ولئن عومل مكيافيلي بجفاء وأحرقت محاكم التفتيش مؤلفاته، ووُضع كتاب"الأمير"ضمن الكتب الممنوعة سنة 1559 م، وعُدَّ لدى الغرب ملعونا وحاملا لمصباح الشيطان؛ فإن وضوح أسلوبه وعدم إخفائه حقيقة أفكاره، وعزوفه عن التمويه على معتقداته، واستفزازه العنيف لما تواضع عليه الفكر السياسي قبله، كان سببا رئيسيا لما حل به من مشقة ومحنة.

أما الفقهاء والمتكلمون، فقد موهوا على ما ذهبوا إليه بأسلوبهم الرصين وتعابيرهم الفقهية، وتقديمهم مصنفاتهم إلى الحكام والسلاطين، فلم يثيروا بذلك لدى العامة والخاصة أي حساسية أو عداء. بل ما زالت كتاباتهم مقبولة ومرغوبا في نشرها ومُعتمَدَة إيديولوجيا لدى كثير من الفئات والنخب السياسية.

(1) - تحفة الترك فيما يجب أن يعمل في الملك لنجم الدين الطرسوسي ص 130

(2) - الأمير لمكيافيللي ص 119

(3) - نفس المصدر ص 182

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت