ولاة للأقاليم أو قوادا للجيش أو جباة للخراج والزكاة؛ فإن هذا التأويل منهم بعيد جدا عن سياق هذه الأحاديث ومناسبتها وما ترمي إليه.
ـ كما أن منهج التشريع الإسلامي يتعارض مع اشتراط قرشية الإمامة، لأن الشرع لا يربط أحكامه الدائمة بظواهر عارضة لا تدوم؛ لا سيما إذا كان الأمر متعلقا بنظام سياسي عام تحتاج إليه الأمة في كل زمان ومكان، كما لا يربط أحكامه بالأفراد، سدا لذريعة تحول أمر الأمة إلى كهنوتية، وهو ما كادت هيمنة قريش تؤول إليه، بتحولها إلى سدنة للإمامة ومعدن لها.
أما شرط العلم والاجتهاد، فقد كاد الإجماع ينعقد على ضرورة بلوغ الخليفة مرتبة الاجتهاد في الأصول والفروع، لكون الغرض الأساسي من تنصيبه هو صيانة العقيدة وتنفيذ أحكام الشريعة. إلا أنهم لم يبينوا درجة الاجتهاد المشترط، مطلقا أو مقيدا، ومن أي طبقات المجتهدين يكون الإمام. وذهب بعض المتأخرين من الفقهاء إلى أن الاجتهاد مطلقا أو مقيدا ليس ضروريا، ويغني الخليفةَ معرفةٌ كافيةٌ بالشرع تؤهله لأن يستعين بمجتهدي رعيته ويفهم عنهم، أما في فترات الفتن وتغلب الجورة والجهلة فيجوز أن يكون الخليفة أميًّا.
ولئن اشتُرط الاجتهاد الفقهي لما بيَّنا، فإن الخليفة طبقا للاختصاصات التي جعلها له الفقهاء، من مهامه أيضا القضايا الدنيوية المتعلقة بتنفيذ قرارات الأمة، في مجال الإدارة والبيئة والصناعة والاقتصاد والعلاقات الدولية وشؤون الجيش وغير ذلك، مما تقتضي المصلحة أن يكون ملما به وقادرا على فهمه والتعامل معه. وهذه الموسوعية العلمية تعجز عنها القيادة الفردية، وتوجب أن تكون الدولة مرتكزة على مؤسسات متخصصة قادرة على تسيير الموجود، وتطوير الحاضر، واستحداث المفتقد واستشراف الآتي، ومواجهة التحديات الداخلية والخارجية.
أما العدالة، فصغراها تجنب فسق الأعمال بالكذب والظلم والعدوان وارتكاب الفواحش، وكبراها تجنب فسق المعتقد، أي فساد العقيدة. وهذا شرط ينبغي توفره في كل متصد لعمل عام، لا في الخليفة وحده. إذ الالتزام بعقيدة الأمة