(والثاني ما ينافي كمال التوحيد الواجب: وهو ما كان من جهة الشرك الأصغر ينافي كماله، فإذا أتى بشيء منه فقد نافى بذلك كمال التوحيد؛ لأن كمال التوحيد إنما يكون بالتخلص من أنواع الشرك جميعا، وكذلك الرياء فإنه من أفراد الشرك الأصغر؛ أعني يسير الرياء، وهذا ينافي كمال التوحيد، ومنها أشياء يقول العلماء فيها أنها نوع شرك، فيعبرون عن بعض المسائل من الشركيات أنها نوع شرك أو نوع تشريك.
فصار عندها في ألفاظها في هذا الباب أربعة:
الأول: الشرك الأكبر.
الثاني: الشرك الأصغر.
الثالث: الشرك الخفي.
الرابع: قولهم نوع شرك أو نوع تشريك: وذلك من مثل ما سيأتي في قوله جل وعلا {يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا} [النحل:83] ، وفي نحو قوله {أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ} [الأعراف:191] في قصة آدم وحواء حين عبَّدَ ابنَهما للشيطان، فهذا في الطاعة كما سيأتي بيانه مفصلا إن شاء الله.
بدأ الشيخ رحمه الله في تفصيل الشرك ببيان صور من الشرك الأصغر التي يكثر وقوعُها.
وقدَّم الأصغر على الأكبر انتقالا من الأدنى إلى الأعلى؛ لأن الشبهة في الأدنى ضعيفة بخلاف الشبهة في الأعلى؛ يعني أن تعلق المتعلق بالخيط, تعلق المتعلق بالتميمة، هذا شبهته أضعف، فتعلق ذلك المتعلق بذلك المتعلق بغير الله إذا وَعَى أنه تعلق بغير الله فإنه يكون مقدمة مهمة ومنتِجة للمطلوب في إقناعه بأنَّ التعلق بغير الله في الشرك الأكبر أنه قبيح.
أمّا إذا أتى إلى ما هو من جهة الشرك الأكبر كالتعلق بالأولياء ودعائهم وسؤالهم، أو الذبح للجن أو الذبح للأولياء فإنه يكون هناك شبهة؛ وهي أنّ أولئك لهم مقامات عند الله جل وعلا، والناس الذين يتوجهون إلى أولئك ويشركون بهم الشرك الأكبر المخرج من الملة -والعياذ بالله-، يقولون: إنما أردنا الوسيلة هؤلاء لهم مقامات عند الله، إنما أردنا الوسيلة. كحال المشركين في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - الذين قال الله جل وعلا فيهم {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر:3] .
فإذن الشيخ رحمه الله بدأ بما هو من الشرك الأصغر انتقالا من الأدنى على الأعلى حتى يكون ذلك أقوى في الحجة وأمكن في النفوس من جهة ضرورة التعلق بالله وإبطال التعلق بغيره.
قال رحمه الله (بابٌ من الشرك) (من) هذه تبعيضية؛ يعني هذه الصورة التي في الباب هي بعض الشرك.
هل هي بعض أفراده, أو بعض أنواعه؟ هي هذه وهذه، فما ذُكر وهو لبُس الحلقة أو الخيط أحد نوعي الشرك وهو الشرك الأصغر، وهو أحد أفراد الشرك بعمومه؛ لأنها صورة من صور الإشراك.