لا يأمن جاره بوائقه [1] وقال علي بن أبي طالب: من سمع النداء فهو جار، وقالت فرقة، من سمع إقامة الصلاة فهون جار ذلك المسجد. وقالت فرقة، من ساكن رجلًا في محلة أو مدينة فهو جار، قال الله تعالى: {لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ} إلى قوله: {ثُمَّ لا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلا قَلِيلًا} [الأحزاب: 60] فجعل تعالى اجتماعهم في المدينة جوارًا، والجيرة مراتب بعضها ألصق من بعض، أدناها الزوجة.
4 -ومن إكرام الجار ما رواه مسلم عن أبي ذر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «يا أبا ذر إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها وتعاهد جيرانك» فحض عليه السلام على مكارم الأخلاق، لما يترتب عليها من المحبة وحسن العشرة ودفع الحاجة والمفسدة، فإن الجار قد يتأذى بقتار [2] قدر جاره، وربما تكون له ذرية فتهيج من ضعفائهم الشهوة، ويعظم على القائم عليهم الألم والكلفة، لا سيما إن كان القائم ضعيفا أو أرملة فتعظم المشقة ويشتد منهم الألم والحسرة، وهذه كانت عقوبة يعقوب في فراق يوسف عليهما السلام فيما قيل، وكل هذا يندفع بتشريكهم في شيء من الطبيخ يدفع إليه، ولهذا المعنى حض عليه السلام الجار القريب بالهدية، لأنه ينظر إلى ما يدخل دار جاره وما يخرج منها، فإذا رأى ذلك أحب أن يشارك فيه، وأيضا فإنه أسرع إجابة لجاره عندما ينوبه من
(1) بوائقه: أي غوائله وشروره، وأحدها بائقة وهي الداهية.
(2) القتار: بضم القاف، وريح القدر والشواء ونحوهما.