فإن قيل: لم هذا التفصيل والتشديد في رواية الحديث الضعيف، والمنذري رحمه الله قد ذكر في مقدمة كتابه:"أن العلماء أساغوا التساهل في أنواع من الترغيب والترهيب، حتى إن كثيرا منهم ذكروا الموضوع ولم يبينوا حاله".
وجوابا عليه أقول: إن التساهل الذي أساغوه يحتمل وجهين:
الأول: ذكر الأحاديث بأسانيدها، فهذا لا بأس به، كيف لا وهو صنيع جميع المحدثين من الحفاظ السابقين الذين كان أول أعمالهم في سبيل حفظ السنة وأحاديثها، إنما هو جمعها من شيوخها بأسانيدهم فيها، ثم من كان منهم على علم بتراجم رواتها من جميع الطبقات ومعرفة بطرق الجرح والتعديل، وعلل الحديث، فإنه يتمكن من التحقيق فيها: وأن يميز صحيحها من سقيمها، وإلى هذا وذاك أشاروا بقولهم المعروف:"قمش ثم فتش"فهو إذن من باب"ما لا يقوم الواجب إلا به فهو واجب".
وعلى هذا الوجه ينبغي أن يحمل قول المنذري المذكور عن العلماء إحسانا للظن بهم أولا، ولأنه هو الذي يدل عليه كلام الحفاظ ثانيا، بالإضافة إلى ما ذكرناه مما جرى عليه عملهم، فهذا هو الإمام أحمد يقول:"إذا جاء الحلال والحرام شددنا في الأسانيد، وإذا جاء الترغيب والترهيب تساهلنا في الأسانيد". [1]
فهذا نص فيما قلنا، ومثله قول ابن الصلاح [2] :"ويجوز عند أهل الحديث وغيرهم التساهل في الأسانيد ورواية ما سوى الموضوع من أنواع الأحاديث الضعيفة من غير اهتمام ببيان ضعفها فيما سوى صفات الله وأحكام الشريعة من الحلال والحرام وغيرهما، وذلك كالمواعظ والقصص وفضائل الأعمال، وسائر فنون الترغيب والترهيب وسائر ما لا تعلق له بالأحكام والعقائد".
(1) مجموع الفتاوى (18/ 65) .
(2) علوم الحديث (ص.113) .