فأجاب الجاحظ بقوله: قلنا أن الدنيا إذا خلاها الله وتدبير أهلها ومجاري أمورها وعاداتها كان لعمري كما تقولون، ونحن نزعم أن يعقوب ابن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام كان أنبه أهل زمانه لأنه نبي ابن نبي، وكان يوسف وزير ملك مصر ومن النباهة بالموضع الذي لا يدفع وله البرد وإليه يرجع جواب الأخبار، ثم لم يعرف يعقوب مكان يوسف ولا يوسف مكان يعقوب دهرا من الدهور مع النباهة والقدرة واتصال الدار، وكذلك القول في موسى بن عمران ومن كان معه في التيه، [فقد كانوا أمة من الأمم يكسعون أربعين عاما في مقدار فراسخ يسيرة، ولا يهتدون إلى المخرج وما كانت بلاد التيه] [1] إلا من ملاعبهم ومنتزهاتهم، ولا يعدم مثل العسكر الأدلاء والجمالين والمكارين والفيوح والرسل والتجار، ولكن الله صرف أوهامهم ورفع ذلك القصد من صدورهم، وكذلك القول في الشياطين الذين يسترقون السمع في كل ليلة فتقول أنهم لو كان كلما أراد مريد منهم أن يصعد ذكر أنه قد رجم أو رجم صاحبه، وأنه كذلك منذ كان لم يصل معه أحد إلى استراق السمع كان محالا أن يروم ذلك أحد منهم مع الذكر والعيان إلى آخر ما قال [2] . والكلام في هذه المسألة طويل الذيل، وما ذكرناه كاف في المرام، وما نقله عن مشايخه من الكشف لا أصل له.
(1) سقط من كتاب الحيوان للجاحظ بتحقيق فوزي عطوي.
(2) الحيوان (2/40-41) .