بالعقليات، فإن الخوارج والشيعة حدثوا في آخر خلافة علي، والمرجئة والقدرية حدثوا في أواخر عصر الصحابة، وهؤلاء كانوا ينتحلون النصوص، ويستدلون بها على قولهم، لا يدعون أنهم عندهم عقليات تعارض النصوص، ولكن لما حدثت الجهمية في أواخر عصر التابعين، كانوا هم المعارضين للنصوص برأيهم، ومع هذا فكانوا قليلين مقموعين في الأمة" [1] ."
ومن ثَمَّ انبنى على هذا التقديم انحرافات أُخَرُ كتأويل النصوص الصحيحة وردِّها وإنكار ما دلت عليه هذه النصوص من مدلولات [2] .
وقد اشتهر المعتزلة بهذا المنهج قال الزمخشري المعتزلي (ت: 538 هـ) :"امشِ في دينك تحت راية السلطان [3] ، ولا تقنع بالرواية عن فلان وفلان، فما الأسد المحتجِبُ في عرينه أعز من الرجل المحتَجِّ على قرينه، وما العنز الجرباء تحت الشمأل البليل [4] أذل من المقلد عند صاحب الدليل" [5] .
وقد رد العلماء على هذا المذهب بردود كثيرة قال ابن أبي العز الحنفي (ت: 792 هـ) :"فالواجب كمال التسليم للرسول صلى الله عليه وسلم، والانقياد لأمره، وتلقي خبره بالقبول والتصديق، دون أن نعارضه بخيال باطل نسميه معقولًا، أو نحمله شبهة أو شكًا، أو نقدم عليه آراء الرجال وزبالة أذهانهم،"
(1) درء تعارض العقل والنقل: (5/ 244) ، وانظر: مقدمات في الأهواء والافتراق والبدع للعقل: (97) .
(2) انظر مثلًا ردهم لأحاديث الرؤية في: تنزيه القرآن عن المطاعن للقاضي عبد الجبار المعتزلي: (177 ت) ، ورد الزمخشري معنى حديث:"ما من بني آدم مولود إلا يمسه الشيطان حين يولد فيستهل صارخًا من مس الشيطان غير مريم وابنها". رواه البخاري في صحيحه (مع الفتح) في أحاديث الأنبياء: باب قول الله تعالى: (واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكانًا شرقيًا) [آل عمران: 45] (6/ 469) برقم (3431) ، ومسلم في صحيحه بشرح النووي في الفضائل: (15/ 98) برقم (2366) عن أبي هريرة رضي الله عنه، انظر: الكشاف: (1/ 551 ـ 552) .
(3) يسمى الزمخشريُّ العقلَ السلطان.
(4) البليل: هي ريح باردة تجيء في الشتاء، ويكون معها ندى. انظر: معجم مقاييس اللغة لابن فارس: (93) .
(5) انظر: أطواق الذهب في المواعظ والخطب له: (28) .