فهرس الكتاب

الصفحة 360 من 473

استنباط أنه من الأدبِ تحسين العبارة بالكناية [1] ونحوها في المواطن التي يُحتاج فيها إلى ذِكْر ما يستحيى من ذِكْرِه في عادتنا.

وذلك من عادة القرآن كقوله تعالى: {أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ} [النساء: 43] ، وقوله: {وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ} [التحريم: 12] ، وقوله: {كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ} [المائدة: 75] [2] .

قال الشاطبي (ت: 790 هـ) :"أتى فيه الكناية في الأمور التي يستحيا من التصريح بها؛ كما كنّى عن الجماع باللباس والمباشرة، وعن قضاء الحاجة بالمجيء من الغائط ... فاستقر ذلك أَدَبًَا لنا استنبطناه من هذه المواضع" [3] .

المثال الرابع:

استنباط أن من الأدب في المناظرة أن لا يفاجئ بالرد كفاحًا، دون التقاضي بالمجاملة والمسامحة لأن ذلك أدعى إلى القبول وترك العناد وإطفاء نار العصبية [4] .

وذلك من أسلوب القرآن كما في قوله: {وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (24) } [سبأ: 24] ، وقوله: {قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (81) } [الزخرف: 81] ، وقوله: {قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي} [هود: 35] ، وقوله: {قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ (43) } [الزمر: 43] ، وقوله: {أَوَلَوْ كَانَ آَبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (104) } [المائدة: 104] [5] .

ووجه الاستنباط من هذه الآيات:

استعمال القرآن لهذا الأسلوب في المحاورة والمناظرة.

مسألة: ومما يُلحق بالاستنباط بأسلوب القرآن الاستنباطُ من أفعال الله تعالى المذكورة في كتابه، وما حكاه من أفعال أنبيائه الكرام عليهم الصلاة والسلام:

والاستنباط بأفعال الأنبياء يرجع لأصلين عظيمين:

أولهما: قوله تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ} [الأنعام: 90] .

والثاني: إقرار الله تعالى لما يذكره عنهم من أفعال فهو داخل في الاستنباط بإقراره جل علاه.

ومن أمثلة ذلك:

المثال الأول:

من قوله تعالى: {وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ} [النساء: 102] .

قال الطوفيُّ (ت: 716 هـ) :"فيه دليلٌ على جواز فَرْضِ مسائلَ لم تقع بعد، وإعدادِ حكمها لوقت وقوعها" [6] .

ووجهه كما قال:"لأن الله ـ عزَّ وجل ـ بَيَّنَ لهم حُكْمَ المطر والمرض قبل وقوعه، على تقدير وقوعه" [7] .

المثال الثاني:

(1) الكناية هي: لفظ أريد به لازم معناه مع جواز إرادة معناه حينئذ. كقولك: (فلان طويل النجاد) أي: طويل القامة، وَ (فلانة نؤوم الضحى) أي: مترفة مخدومة. ولا يمنع أن يراد المعنى الأصلي للفظ. انظر: دلائل الإعجاز للجرجاني: (66) ، ومعترك الأقران للسيوطي: (1/ 286) ، والإيضاح في علوم البلاغة للخطيب: (330) .

(2) انظر: الموافقات: (3/ 282) ، والبرهان للزركشي: (2/ 303) ، فصول في البلاغة لمحمد بركات: (152 ـ 153) .

(3) الموافقات: (2/ 80) . وانظر: البرهان للزركشي: (2/ 303) ، والإتقان للسيوطي: (2/ 59 ـ 60) ، ومعترك الأقران له: (1/ 287) ، وأسلوب القرآن الكريم بين الهداية والإعجاز البياني لباحاذق: (262) ، وجماليات المفردة القرآنية لأحمد ياسوف: (255) .

(4) انظر: الموافقات للشاطبي: (2/ 81) .

(5) انظر: الموافقات للشاطبي: (2/ 81) .

(6) الإشارات الإلهية: (2/ 42) .

(7) السابق نفس الصفحة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت