ويستثنى من هذا الشمول ما استأثر الله بعلمه، فلا يستنبط من القرآن، ولذا نجد أن أوسع القائلين بشمول القرآن وهو المرسي (ت: 655 هـ) قد استثنى ما استأثر الله بعلمه قال السيوطي (ت: 911 هـ) :"وقال المرسي (ت: 655 هـ) : جَمَعَ القرآنُ علومَ الأولين والآخرين بحيث لم يحط بها علمًا ـ حقيقة ـ إلا المتكلم به، ثم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خلا ما استأثر الله به سبحانه" [1] .
فما استأثر الله بعلمه لا سبيل لأحد للوصول إليه.
وقد دل القرآن على أنَّ مِنَ المعلومات الشرعية ما لا يمكن لأحد معرفتها إلا الله تعالى، وهي ما استأثر الله بعلمه [2] ، قال تعالى: {* وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرُ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا (( (( (( فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ(59) } [الأنعام: 59] .
وقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (34) } [لقمان: 34] .
وقال تعالى: {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (27) } [الجن: 16 ـ 17] .
فهذه الآيات تبين انقطاع الأمل في الوصول إلى شيء من المغيبات إلا بوحي منه جل وعلا، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن من المغيبات ما استأثر الله بعلمه ولا يمكن لأحد معرفته قال صلى الله عليه وسلم:"في خمس لا يعلمهن إلا الله ثم تلا - صلى الله عليه وسلم: {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (34) } [لقمان: 34] " [3] .
ويدخل في ذلك الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، قال تعالى عن رسوله عليه الصلاة والسلام: {وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ} [الأعراف: 188] وقال: {قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ} [النمل: 65] .
قال الآلوسي (ت: 1270 هـ) :"وهو صلى الله تعالى عليه وسلم لم يعلم كل غيب، فإنَّ مِنَ الغيب ما تفرد الله تعالى به، كمعرفة كُنْهِ ذاته تبارك وتعالى وكمعرفة وقت قيام الساعة" [4] .
وكما بين الله تعالى انحصار علم بعض المعلومات به تعالى، فإنه جعل للعقول حدًا لا يمكن أن تتعداه في إدراكها، مما يدل على عدم قدرة العقل البشري للوصول لأي شيء، قال الشاطبي (ت: 790) :"إن الله جعل للعقول في إدراكها حدًا تنتهي إليه لا تتعداه، ولم يجعل لها سبيلًا إلى الإدراك في كل مطلوب" [5] .
ولذا فإن من أقسام العلوم عند العلماء ما لا يعلمه الإنسان البتة إلا أن يُعلم به أو يجعل له طريق إلى العلم به، وذلك كعلم المغيبات عنه، فعلمه بما لم يجعل له عليه دليل غير ممكن [6] .
وهذا الأصل مقرر عند العلماء ومما يدل على ذلك:
إنكارهم على من استنبط معرفة شيء من الغيب الذي استأثر الله بعلمه:
قال الطبري (ت: 310 هـ) :"والذي لا حاجة لهم إلى علمه منه هو العلم بمقدار المدة التي بين وقت نزول هذه الآية [7] ووقت حدوث تلك الآية فإن"
(1) الإكليل: (1/ 243) ، الاتقان: (2/ 260) ، روح المعاني للألوسي: (4/ 144) .
(2) رجح عدد من العلماء أنها المراد بالمتشابه الذي لا يعلمه إلا الله في قوله: (وأخر متشابهات) قال القرطبي:"والمتشابه ما لم يكن لأحد إلى علمه سبيل مما أستاثر الله تعالى بعلمه دون خلقه قال بعضهم وذلك مثل وقت قيام الساعة وخروج يأجوج ومأجوج والدجال وعيسى ونحو الحروف المقطعة في أوائل السور قلت هذا أحسن ما قيل في المتشابه". الجامع لأحكام القرآن: (4/ 10) . وانظر: فتح الباري لابن حجر: (8/ 210) .
(3) رواه البخاري في صحيحه (مع الفتح) في التفسير: باب (إن الله عنده علم الساعة) : (8/ 513) برقم: (4777) ، ومسلم في صحيحه (بشرح النووي) في الإيمان: باب الإيمان والإسلام والإحسان: (1/ 146) برقم: (9) ، عن أبي هريرة رضي الله عنه واللفظ له.
(4) روح المعاني: (5/ 137) .
(5) الاعتصام: (2/ 562) .
(6) الاعتصام: (2/ 563) .
(7) الآية هي قوله تعالى: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبَّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آَيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آَيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آَمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (158) } [الأنعام: 158] .