فهرس الكتاب

الصفحة 248 من 473

قال الشاطبي (ت: 790 هـ) بعد سوقه لبعض الاستنباطات السابقة:"فمثل هذه الاستدلالات لا يُعبأُ بها، وتسقط مكالمةُ أهلها، ولا يُعد خلافُ أمثالهم ... إذ هو خروج عن طريقة كلام العرب إلى اتباع الهوى" [1] .

المثال الرابع:

استنبط بعضهم من قوله: {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا} [الزخرف: 3] أن القرآن مخلوق [2] .

ووجه الاستنباط عندهم: أن جَعَلَ بمعنى خَلَقَ.

وهذا الاستنباط باطلٌ من جهة اللغة قال ابن أبي العز الحنفي (ت: 792 هـ) :"وأما استدلالهم بقوله تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا} [الزخرف: 3] فما أفسده من استدلال! فإن جعل إذا كان بمعنى خلق يتعدى إلى مفعول واحد كقوله تعالى: {وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ} [الأنعام: 1] وقوله تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (30) } [الأنبياء: 30] ... {وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (31) } [الأنبياء: 31] {وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا} [الأنبياء: 32] ."

وإذا تعدَّى إلى مفعولين لم يكن بمعنى خَلَق: قال تعالى: {وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا} [النحل: 91] وقال تعالى: {وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ} [البقرة: 224] وقال تعالى: {الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآَنَ عِضِينَ (91) } [الحجر: 91] وقال تعالى: {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ} [الإسراء: 29] وقال تعالى: {وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَزَرَ} [الذاريات: 51] وقال تعالى: {وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا} [الزخرف: 19] ونظائره كثيرة فكذا قوله تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا} [الزخرف: 3] " [3] ."

المثال الخامس:

قوله تعالى: {يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوحِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (71) } [الإسراء: 71] .

استنبط منها بعضهم أن الناس يدعون يوم القيامة بأمهاتهم دون آبائهم.

وهذا غلط أوجبه جهله بالتصريف فإن (أم) لا تجمع على (إمام) بل جمعها (أمهات) [4] .

(1) الاعتصام: (1/ 192) .

(2) انظر هذا الاستنباط في: تفسير السمعاني: (5/ 90) ، العلو للعلي الغفار للذهبي: (162) .

(3) شرح الطحاوية لابن أبي العز: (134 ـ 135) .

(4) انظر: مسالك أهل البدع في النظر والاستدلال لبهاء الدين عقيل: مجلة البيان عدد (60) صفحة: (22) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت