السفر مظنة المشقة، ومن قواعد الشريعة الكبرى أن المشقة تجلب التيسير، ولهذا خفف عن المسافر في نهار رمضان بإباحة الفطر له.
ولكن لو حصل أن مسافرا سافر سفرا لا مشقة فيه ـ والفقهاء قديما يمثلون لذلك بالملك المترفِّه، واليوم أصبح كثير من عامة الناس مترفِّهين في سفرهم ـ فهل يقال له: يلزمك الصوم ولا يجوز لك الفطر؟! كلا ... لأن الحكم معلق بالسفر الذي هو علة له، لا بالحكمة.
فانظر إلى الحكمة ههنا كيف انتفت مع ثبات الحكم في مكانه، فوجود الحكم الشرعي بدونها دليل على ضعفها، ثم إن الناس لا يحسنون ضبط المشقة التي عندها يستصحبون التيسير، ولهذا كانت خفية، وأيضا أمر المشقة يختلف من مسافر إلى آخر وهذا دليل اضطرابها.
والسؤال الأخير: إذا كانت الحكمة ظاهرة وقوية ومنضبطة كالعلة فهل يقاس عليها أولا؟ هذا مجال خلاف بين العلماء ليس هذا محل بحثه [1] .
وإلى هنا بلغ التمام، نسأل الله تعالى أن يهدينا للتي هي أقوم بالتي هي أحسن إنه بكل جميل كفيل، وهو
(1) راجع ذلك في تعليل الأحكام لمحمد مصطفى شلبي (135 - 149) وهو كتاب جدير بالعناية والمدارسة.