وأنا بعيد عهد بمراسلتك .. بعد أن كَلَّ النظر .. وتعبت خيول الكلمة المسرجة .. وجف مداد القلم .. واصفرت الأوراق .. وذبلت المعاني .. وتاهت الأساليب في متاهة الحياة كما يتيه العيس في صحراء نجد .. كنت أتمنى أن أكتب لك كلامًا ترتج منه طربًا .. وترقص منه فرحًا .. غير أن أحوال الحياة .. وصوارف صرفتني عن جميل الكلم .. فمعذرة عن الإطناب .. وعن صفصفة الكلام دون معانٍ.
خرجت ذات مرة من المسجد الجامع .. ولما كانت من عادتنا نحن"دول العالم الثالث"! أن تجد الباعة متناثرين حول أروقة المسجد .. وجدت بينهم شيخًا عجوزًا .. كف بصره .. وانحنى ظهره .. ونحن في صيف نجد .. والشمس تلفحه .. وهواءٌ حارٌ يلفه .. قال له شاب بهي الطلعة .. جميل المحيّا: يا أبت: لو جلست في الظل ليقيك حرارة الشمس .. ويبعدك عن لفح هجير الصحراء .. لكان أولى.
بيد أن هذا الشيخ قال بلهجة غريبة على مسامعنا .. شاذة ممقوتة:"أعطني درهمًا وارمني في الشمس"!!
هكذا .. قوم يتسابقون إلى الدنيا كما تتسابق الخيول المسرجة في ميدان الفروسية.
ويح قومي .. لو لم تكن لنا أرض مسلوبة .. وشعب يسام العذاب .. وأمة تداس كرامتها .. لم يبق لنا إلا جمع