ب ــ وعلى فرض أن هذه المرأة كانت كاشفة عن وجهها، فقد جاءت تعرض نفسها على النبي ^ للزواج منها، ولها ــ في هذه الحالة ــ أن تكشف وجهها ليتأمله فيُفصحَ عن رغبته فيها، أو عزوفه عنها.
ج ــ ومن جهة أخرى فإن ذلك خصوصية للرسول ^، إذ لا يحرم عليه النظر إلى المؤمنات الأجنبيات، لمكان العصمة، بخلاف غيره [1] ... .
د ــ على أن ابن العربي سلك مسلكًا آخر في الجواب ــ وإن استبعده الحافظ في الفتح ــ فقال: «يحتمل أنَّ ذلك قبل الحجاب، أو بعده، لكنها متلفِّعة» [2] اهـ.
قلت: وكون ذلك بعد الحجاب وهي متلفعة أولى، لأنَّ تصويب النظر قد كان قطعًا على مستور، فكذلك التصعيد مثله، فلا يقتضي أنها مكشوفة الوجه.
بهذه الإجابات المتعددة يظهر أنه لا حجة لمجيزي كشف الوجه بهذا الحديث. ويبقى انتقاب النساء هو الأصل الذي استمرَّ عليه عمل المسلمات المؤمنات منذ القرون الأولى التي شهد لها النبي ^ بالخير.
5 ــ كما أجاب القائلون بلزوم ستر الوجه عن عدم أمر النبي ^ المرأة الخثعمية بستر وجهها، واكتفائه بتحويل وجه الفضل إلى الشق الآخر بأنها كانت محرمة، والمحرمة تكشف وجهها إلا عند خوف ... الفتنة.
وحين استدل ابن بطّال بهذا الحديث على (أن ستر المرأة وجهها ليس فرضًا، لإجماعهم على أن للمرأة أن تبدي وجهها في الصلاة ولو رآه الغرباء) تعقَّبَهُ الحافظ ابن حجر بقوله: (قلت: وفي استدلاله بقصة الخثعمية لما ادَّعاه نظر، لأنها كانت محرمة) [3] اهـ.
غير أن الشيخ ناصرًا الألباني ردَّ على ابن حجر قوله هذا بما لا يغني فقال:(قلت: كلا، فإنه لا دليل على أنها كانت محرمة، بل الظاهر خلافه، فقد قدمنا عن الحافظ نفسه أن سؤال الخثعمية للنبي ^ إنما كان بعد رمي جمرة العقبة، أي بعد التحلل، فكأنَّ الحافظ نسي ما كان حققه هو بنفسه رحمه الله تعالى.
ثم هب أنها كانت مُحْرِمَة، فإن ذلك لا يخدج في استدلال ابن بطال المذكور البتة، ذلك لأن المحرمة تشترك مع غير المحرمة في جواز ستر وجهها بالسدل عليه ... ) [4] اهـ.
ويجاب على هذا الكلام الذي أورده الألباني من نواحٍ عدة:
أ ــ أما قوله: (لا دليل على أنها كانت محرمة، بل الظاهر خلافه) فإنه لا يصح، لمصادمته عدة أحاديث تثبت أن المرأة كانت محرمة، منها:
ــ ما رواه مسلم في صحيحه، عن جابر رضي الله عنه « ... فلما دفع رسول الله ^، مَرَّت به ظُعُنٌ تجرين، فطفق الفضل ينظر إليهن ... » الحديثَ [5] ..
(1) انظر: فتح الباري (9/ 210) ، وسبل السلام (3/ 112) ، وفتح العلام (2/ 90) .
(2) فتح الباري (9/ 210) .
(3) انظر: فتح الباري (11/ 10) .
(4) حجاب المرأة المسلمة، ص (29) .
(5) صحيح مسلم (4/ 42) .