الفصل الأول
الحجاب في الشريعة اليهودية
الشريعة اليهودية شريعة سماوية بعث الله تعالى بها سيدنا «موسى» عليه الصلاة والسلام، وأنزل عليه «التوراة» لهداية بني إسرائيل، والمضي بهم إلى أفضل سبيل ..
وقد تضمنت «التوراة» عقائد وعبادات وأخلاقًا وأحكامًا؛ آمن بها فريق منهم، وكفر بها معظمهم، فقتلوا أنبياءهم، وحرفوا كتبهم، وصاغوها حسب أهوائهم، فغضب الله تعالى عليهم.
قال الله جل وعلا: {ضُرِبَت عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِّنَ الله وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ الله وَضُرِبَت عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكِ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ الله وَيَقْتُلُونَ الْأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكِ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ} [آل عمران: 112] .
فهم كما وصفهم ابن القيّم «أهل الكذب، والبَهْت، والغدر، والمكر، والحيل، قتلة الأنبياء، وأكلة السُّحْت ــ وهو الربا والرِّشا ــ أخبث الأمم طويَّة، وأرداهم سجية، وأبعدهم من الرحمة، وأقربهم من النقمة. عادتهم البغضاء، وديدنهم العداوة والشحناء، بيت السحر والكذب والحِيَل؛ لايرون لمن خالفهم في كفرهم وتكذيبهم الأنبياء حرمة، ولا يرقُبون في مؤمن إلًّا ولا ذمة، ولا لمن وافقهم عندهم حق ولا شفقة، ولا لمن شاركهم عندهم عدل ولا نَصَفة، ولا لمن خالطهم طمأنينة ولا أَمَنة، ولا لمن استعملهم عندهم نصيحة؛ بل أخبثهم أعقلهم، وأحذقهم أغَشُّهم؛ وسليم الناصية ــ وحاشاه أن يوجد بينهم ــ ليس بيهودي على الحقيقة، أضيق الخلق صدورًا، وأظلمهم بيوتًا، وأنتنهم أفنية، وأوحشهم سجية. تحيتهم لعنة، ولقاؤهم طَِيَرة، شعارهم الغضب، ودِثارهم المقت» [1] .
ورغم ما أحدثوا في «التوراة» من تحريف، وما ضمَّنوها من تحريف، فما زال فيها بقية من حق دلَّ عليها القرآن الكريم، والعقل القويم. ومثال ذلك الأمر بالحجاب، فقد كان معروفًا ومطبقًا عندهم في أيام أنبيائهم، وأشارت إليه كتبهم، بدليل ذكر البرقع في غير موضع من العهد القديم.
فقد جاء في «سفر التكوين» قصة طويلة عن امرأة اسمها «رِفقة» وفيها: « ... وخرج إسحاق ليتأمل في الحقل عند إقبال المساء، فرفع عينيه ونظر، وإذا جِمالٌ مقبلة. ورفعت رِفقة عينيها، فرأت إسحاق، فنزلت عن الجمل، وقالت للعبد: مَن هذا الرجل الماشي في الحقل للقائنا، فقال العبد: هو سيدي، فأخذت البرقع وتغطَّت» [2] .
وفي الإصحاح الثامن والثلاثين من «سفر التكوين» : «قال يهوذا لثامار كنَّتِهِ: اقعدي أرملة في بيت أبيك حتى يكبر شِيلةُ ابني، لأنه قال لعله يموت هو أيضًا كأخويه، فمضت ثامار، وقعدت في بيت أبيها. ولما طال الزمان ماتت ابنة شوع امرأة يهوذا. ثم تعزَّى يهوذا فصعد إلى جُزَّاز غنمه إلى تِمَْنةَ هو وَحِيرةُ صاحبُه العَدُلَّاميّ، فأخبرت ثامار، وقيل لها: هو ذا حموك صاعد إلى تِمنةَ ليجُزَّ غنمه. فخلعت عنها ثياب تَرَمُّلها، وتغطت ببرقع وتلفَّفت
(1) هداية الحيارى ص / 8.
(2) سفر التكوين، الإصحاح الرابع والعشرون / 63 ــــ 66.